"ابن رشد" - شتاء عربي قارس منذ أن حرقنا كتبه
*لو نجح المعتزلة في ثورتهم لاختلف عالمنا العربي الحالي فكرا وممارسة وانتقلت الثروة العربية الهائلة في الصحراء العربية حيث لا ناس عرب كثر هناك لصالح كل العرب. لو تم ذاك لما استولت بعض القبائل التكفيرية الوهابية وبعض الأسر الحاكمة البائدة على الثروة العربية التي تنفقها ضد اخوانهم العرب أينما كانوا*
//
أشغلتني أمور ثلاثة عن الكتابة في الأشهر الثلاثة الأخيرة. الكتابة عند من ابتلى بهاجسها وحلق ولو مرة في أعالي الكلام هي ليست حاجة ماسة للبقاء فقط بل ضرورة للاستمرارية وحبل النجاة في عالم تصارعنا أمواجه المتلاطمة حتى في الأحلام.الأمر الأول – انشغالي بحفيدتي الصغيرة الجميلة وهي تتفتح كزهرة الأقحوان في نيسان. هي بتفتحها هذا تكشف لي عن سر الحياة ذاك وعن غاية هذه الحياة والسبب الجدلي المنطقي في استمراريتها،\بدايتها ونضجها واكتمالها وبعثها المتجدد. بسمتها البريئة فيها سر الجمال والكمال وعفويته،ضحكتها فيها سر التواصل ونبع التحدي وغاية البقاء وبداية حقيقية مُتجددة مُجلجلة لسبر أغوار العالم حتى السماء السابعة.كلمتها الفطرية الأولى "ماما" سر الأبجدية وسحر الحروف الأولى منذ لوائح جلجامش حتى قواعد سيبويه، هي نور الحضارة الذي انبعث من مراكب الشمس في الكرنك الى الاولمب حيث رافقت "اورورا" في طريقها الأبدي الى المجد والنور الخالد. حدقتا عينيها تتماوجان بلون لازورديوأزرق غامق كلون المحيط البعيد عند الغسق أرى فيهما حضارة عائدة لمجد العرب هربت خجلا في زمن الهزائم المتتالية التي هدت امة بحالها ردحًا تعيساً من ألزمن.
الأمر الثاني - انشغالي كحَالكم بهمومِ "الربيع العربي" الذي لم يبدأ حتى يتواصل وانكفأ على خريف فيه صُفرة الموت ونَعيب غربان سود يملأ الفضاء العربي من المحيط الى الخليج. في هذه اللحظة بالذات نعود مرة أخرى على بدء في حالتنا المستعصية وهي شتاء عربي قارس وسبات أبدي مازال ينخرُ عقولنا منذ أن حَرقنا كتب "ابن رشد" في ساحة قرطبة العامة. بعد أن سقط الأندلس من دنيا العرب بدأت النواة الحقيقية للاسلام السياسي تتبلور. منذ ذاك الانحلال الذي برز بحروب ملوك الطوائف هناك وتحالفهم في أحيان كثيرة ضد المشروع العربي الأموي نواة المشروع العربي القومي. عاث هذا الاسلام السياسي فساداً في الأرض العربية وهو أبعد ما يكون عن الاسلام الدين الحنيف السمح الذي قضى بان نطلب العلم والمعرفة ولو في الصين. قال لنا اننا خير امة أخرجت الى الناس. على الأقل علينا أن نبقى ونستمر ونثور ونتطور مع باقي الأمم والخلق في هذا العالم.لا العربية ظلت عربية ولا الجزيرة ظلت جزيرة. أخطأنا عندما كتبننا مرة أنها - أي قناة الجزيرة - كانت طفرة في الاعلام العربي في العصر الحديث. تحولت بسرعة كبيرة و بفعلة شياطين النفط وأشباههم من وراء البحار الى ردة رجعية اخرى والى جزيرة موبوءة في الوجدان العربي وفي الذاكرة الجماعية العربية وفي ألاعلام الحر المقاوم و لعنة في تاريخنا الى يوم الدين. أصبحت مفضوحة للقاصي والداني، أداة طيعة مقاتلة في أيدي المشروع الامبريالي الجديد في هجمته الوقحة على الانبعاث العربي القومي الذي انتظرناه أبد الدهر.
- القومية نحو الأممية
القومية هي مرحلة متقدمة جدا في تطور الشعوب والأمم وهي الخطوة الأخيرة قبل الأممية حيث يكون الحلم الذي به تعيش الانسانية انسانيتها الحقيقية وحيث يسود العدل الاجتماعي غاية الوجود والسبب الرئيس في كل ثورات الشعوب منذ سبارتاكوس حتى هذا ألربيع ألعربي الذي كتبنا في بدايته أن ما يحدث ليست ثورة بل هبة أو غضبة جياع على الحكام الظالمين وقارناه بثورة الزنج في زمن العباسيين وبتمرد الخوارج في الأمصار العراقية والحجازية في العصر الأموي التي قضى عليها السفاح العربي الأول الحلاج بن يوسف الثقفي، الذي لم يتوان عن ضرب مكة بالمنجنيق. أخاله لو عاد اليوم للحياة لهرب لموته ثانية بسرعة البرق خجلاً وألماً وربما حزناً مما يمارسه سفاحو العرب اليوم في الساحات والشوارع العربية. ما زلنا نردد ونقول المرة تلو الأخرى ان الثورة، أية ثورة، عربية كانت أم أعجمية لا تقوم لها قائمة بدون الفصل الثوري الحقيقي والتام عن الفكر والقول والطرح الديني أي كان نوعه وأيديولوجيته. الثورة هي الطريق الوحيد للعدل الاجتماعي على الأرض والدين لغة تواصل سامية مع الخالق والخلق العظيم ربما تمهد للفرد أبدية نقية بيضاء لم يرجع منها احد الى ألان تنسجم وتتوازى مع طريق خلود الحياة ذاتها.
الاسلام السياسي الذي نراه يتزاحم على عروش الحكم العربي اليوم كان في أساسه صنيعة الامبريالية الغربية منذ أن تأسس وانبعث حديثا في مصر في بداية القرن العشرين. اقل ما يمكن قوله بمقامه وحالته السابقة والراهنة أنه يستغلُ الدين الحنيف النقي الطاهر للوصول الى مآرب شخصية، فئوية وحزبية ضيقة هدفها الوحيد خلق مملكته على الأرض وليس مملكته بالسماء وأنه نقيض تام وخصم لذود للقومية العربية. حاول الاخوان المسلمون في مصر اغتيال الزعيم العربي القومي الخالد عبد الناصر عدة مرات بعد نجاح ثورة يوليوعام 52 ولم ينسوا بل ان فعلهم السياسي الأول كان هدم نصب تخليد هذا الزعيم القومي الكبير في بنيغازي في ليبيا بعد أن ربحوا جولتهم هناك محمولين على الدبابات والطائرات الأطلسية التي قصفت ليبيا وأهلها وبنيتها التحتية وأعادتها لبؤسها الكبير مرة أخرى. الهدف من وراء هذا الربيع الأسود هو القضاء بالذات على القومية العربية وتفتيت كياناتها المفتتة أصلا وبعث هذا الاسلام السياسي من جحور التاريخ العربي الأسود ومن ثم خلق فوضى دينية وحروب دينية لا تبق ولا تذر لتمهيد الطريق ربما الى تحقيق حلم "دولة اليهود" أو الدولة اليهودية في فلسطين التاريخية في تناقض عجيب غريب مع حضارة القرن الحادي والعشرين التي تدعو الى الانفتاح الثقافي والتقني والاقتصادي بين شعوب الأرض قاطبة.
يُمكننا في هذه العجالة وهذا المقام بل من واجبنا الوطني والقومي أن نسأل "المفكر العربي" بامتياز الذي هرب الى قطر وأصبح هو وفكره الألمعي أداة طيعة للاسلام السياسي والفكر الوهابي الرجعي المتخلف شاء أم آبى. ما هي وصفته لما يحدث تحت بصره وسمعه المباشر هناك في مراكز أبحاث استراتجيات شيوخ البترودولار السوداء كلون الزفت؟ هل ذهب مع الريح هو وفكره كغيرة من المتاجرين بفكرهم العقيم؟ أشغلني ولو لهنيهات الشيخ القرضاوي الذي يصدر الفتوى تلو الأخرى بسرعة الصاروخ لقتل أطفال العرب في ليبيا وسوريا ومصر وقبلها في العراق. لم يكن ولن يكون هذا الشيخ الا نبتة ضارة نبتت في حدائق الشيطان الوهابية وتغذت منذ أن بدأت على البترودولار الملطخ بأيدي أعداء المشروع القومي العربي. انه بعيد عن أن يكون مثل الشيخ عز الدين القسام أو الشيخ محمد عبده أو الشيخ سلطان باشا الأطرش أو المطران الحجار او المطران كبوتشي وغيرهم من كوكبة رجال الدين العرب الحقيقيين الشرفاء الذين سخّروا علمهم ونفوذهم ومعارفهم الدينية السامية لنصرة أهلهم وناسهم وقوميتهم وعزتها ونهضتها في أمصار العرب الكبيرة.
- جدلية ومادية التاريخ الثوري
الأمر الثالث - البحث ألمتواصل عن حقيقة وجدلية ومادية التاريخ الثوري الذي أوصل البشرية الى ما هي عليه اليوم. بحثنا ثانية عن داروين وعن اينشتاين وعما خلفته نظرياتهم العبقرية عن تطور التاريخ البشري. قرأنا عن سيمون بوليفار وتشي جيفارا وكاسترو وعبد الناصر وأحمد بن بلا ولينين وماركس وهيجل وفيورباخ وهوشي منه وماوتسي تونغ وفولتير وغاندي ومانديلا وكل هؤلاء الخالدين الذين أوجدوا بعملهم وفكرهم النير حتمية الثورة وضرورتها في درب البشرية الى الأمام العالم بحاجة الى ثورة مستمرة وخصوصا في الدول الأكثر تطورا اقتصاديا لأن شعوبها ما زالت بعيدة بعد النجوم عن العدالة الاجتماعية وما زالت تسيطر هناك شريعة الغاب واستقواء الغني على الفقير.
لنوجز القول في هذه العجالة ونسأل حالنا السؤال التالي البسيط، كيف نفسر مثلا غياب الضمان الصحي الأساسي لأكثر من 50 مليون مواطن أمريكي بلد الغنى الفاحش والمتوحش في آن واحد. قرأنا مذكرات صدرت عام 2007 لطبيبة عائلة في الغرب الأمركي وبلغتها وبدون رتوش أو استعارات من أية جهة كانت، أنها الى الان ما زالت تقبل من الفقراء المعدمين هناك حيث تعمل تقديم العلاج البسيط الأولي لهم بالمقايضة، كم بيضة مقابل حبات دواء وكعكة فقيرة مصنوعة في البيت مقابل صورة أشعة ولتر حليب من بقرة واحدة مقابل حقنة انسولين. نعم تعمل هذا من اجل المهمشين والمعدمين في أغنى دولة رأسمالية في العالم.
من تاريخنا السياسي العربي أعجبني صراع المعتزلة وهي فرقة معارضة للحكم العباسي. لقد أظهروا براعة لاول مرة في التاريخ السياسي العربي بنضوج فكرهم وثوريته الواضحة وذلك بمبادئهم الخمسة التي نشروها على الملأ حينذاك. أولها العدل - وعنوا بذاك القول حرية الانسان واختياره وقدرته على خلق الأفعال الصادرة منه أي قدرته على الثورة على الوضع القائم. ثانيها التوحيد- عنوا به تنزيه الذات الالهية عن المشابهة وعن الصفات الزائدة عن ذات الخالق أي فصل الدين عن الدولة. ثالثها الوعيد - ويعني صدق وعد الله بأن الايمان شديد الارتباط بالعمل الذاتي من اجل الذات والمجتمع قاصدين رجال الدين، أي شل الفتاوي التي تصدر عن بعض علماء الدين التي تهدر دم البشر أي كانت جنسيتهم. رابعها- المنزلة بين المنزلتين وعنوا الحكم بالخلود بالنار على مرتكبي الكبائر وقصدوا به الحكام على مختلف درجاتهم بحق الناس. خامسها- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي المشاركة الايجابية لكل فرد بمجتمعه وخاصة في تقديم العون في الأمور العامة. لو نجحوا في ثورتهم لاختلف عالمنا العربي الحالي فكرا وممارسة وانتقلت الثروة العربية الهائلة في الصحراء العربية حيث لا ناس عرب كثر هناك لصالح كل العرب. لو تم ذاك لما استولت بعض القبائل التكفيرية الوهابية وبعض الأسر الحاكمة البائدة على الثروة العربية التي تنفقها ضد اخوانهم العرب أينما كانوا. ترفل تلك الزمر بالنعيم المادي وتلتقي مع الشيطان الأكبر لضرب الفكر العربي القومي التقدمي - الطريق الوحيد لوضع العرب على خارطة هذا العالم المتصارع الذي لا يعترف الا بالقوة والغزو والارهاب وبسط النفوذ على الضعفاء واستنزاف مواردهم وفكرهم وحتى وجودهم المجرد.
