التورُّط والتوريط

single

*من الذي يجهل أن إسرائيل تستغل الفوضى التي تسهم هي في صنعها وتُوجّه من تستطيع هي أو أي من حلفائها توجيههم لخدمة أغراضها الخاصة، فضلا عن خدمة أغراض الحلفاء. وفي السياق، تصفي إسرائيل من تستطيع تصفيته من فلسطينيين متميزين، وتزرع مزيدًا من الفتنة، وتدفع في اتجاه إغراق سوريا في الدماء*

//

الأطراف المتصارعة في سورية وحول سورية تفعل أسوأ ما يمكن لكل منها فعلُه: النظام يُمعن في حلّه الأمني الذي لا يجلب أيّ أمن، وجماعات في المعارضة تُمعن في استخدام السلاح واقتراف أبشع الجرائم والادعاء بأن مقترفي هذه الجرائم هم من عناصرها غير المنضبطة. وفي الغضون، يكتوي الجمهور بنيران الجميع، ويتقلّص الأمل في التوصل إلى حل سياسي، وينطوي مؤيدو هذا الحلّ على أنفسهم وخيبات أملهم، ويشتدّ خطر تحوّل سورية إلى بلد مخرَّب وتحويل دولتها إلى دولة فاشلة أخرى. أما الحديث حول السياسة والحلول السياسية فلا يدور إلا بهدف اكتساب الوقت للإمعان في مزيد من الخراب.
إزاء هذا الوضع ومع استطالة أمره، أظهر سلوك جمهرة الفلسطينيين المقيمين في البلد قناعتهم بتجنّب الانهماك في الصراع وتقديرهم أن تجنب الاصطفاف مع طرف أو سواه هو أفضل ما يمكن فعله.
في واقع الأمر، حتى دون أن يصير هذا مقصودًا، بدا موقف الأغلبية الفلسطينية أكثر ملاءمة لجانب السلطة مما هو لجانب المعارضة. ولا شك في أن السلطة السورية قد أدركت عبرة التجربة. فالجهة الفلسطينية الصغيرة التي اختارت الاصطفاف مع السلطة لقيت شجبًا فلسطينيًا قاسيًا. وأن يقف الفلسطينيون على الحياد أنفع لهذه السلطة من أن ينهمكوا في الصراع وتتجاذبهم أطرافه، فيتأجج مخزون حزازات عتيقة وأخرى جديدة.
ما لاءم السلطة لم يلائم المعارضة، بالطبع، تماما كما لم يلائمها وقوف ثلث السوريين أنفسهم، على الأقل، خارج الحمأة الدامية. وما فعلته هذه المعارضة مع السوريين المحايدين وهي ترتكب الجرائم التي تستهدف إرغامهم على التحرك ضد السلطة، فعلته هو ذاته مع الفلسطينيين. وفي هذه الأيام، يشتد سعي المعارضة إلى استدراج الفلسطينيين للصراع ولو غصبًا عنهم. وفي واحد من تجليات اشتداد نزق المعارضة، يكتسب هذا السعي طابع الجريمة أكثر فأكثر.
مصرع جنود جيش التحرير الفلسطيني الاربعة مؤخرًا، قدّم أنموذجًا لسلوك المعارضة السورية، لسلوك فصائلها التي تحمل السلاح. مُعلِّقنا الحاذق حسن البطل وصف ما جرى (الأيام، رام الله، 16/7/2012)، فأغنى عن تقديم مزيد من الوصف. فالمعارضة، هذه التي لم تكتف بقتل جنود جيش التحرير الذين يأبون الالتحاق بصفوفها، رتبّت عملية القتل بحيث يبدو أن هؤلاء لقوا مصرعهم فيما هم متجهون للاشتباك مع السلطة. أراد مخرجو العملية ان  يستفز الهجوم الملفق السلطة بأمل أن تُسرع في تطبيق حلّها الأمني على الجموع الفلسطينية، فتُستدرَج هذه الجموع إلى الفتنة.
قبل هذه الجريمة، جرى اغتيال عدد من ضباط جيش التحرير الفلسطيني. واستهدف الاغتيال، خصوصًا، ضباطا ذوي اختصاصات متميزة. وفي قناعة الذين يعنيهم الأمر، دون أن يكونوا ممن يعتمدون فضائية الجزيرة مرجعًا للمعلومات، أن وراء منفذي الاغتيالات أيدي إسرائيلية. ومن الذي يجهل أن إسرائيل تستغل الفوضى التي تسهم هي في صنعها وتُوجّه من تستطيع هي أو أي من حلفائها توجيههم لخدمة أغراضها الخاصة، فضلا عن خدمة أغراض الحلفاء. وفي السياق، تصفي إسرائيل من تستطيع تصفيته من فلسطينيين متميزين، وتزرع مزيدًا من الفتنة، وتدفع في اتجاه إغراق البلد في الدماء.
غير مفيد تذكير الموغلين في الجرائم بحاجة الفلسطينيين إلى البقاء بمنأى عن الفتن في أي بلد من بلدان الشتات. فمرتكبو الجرائم لا ينفع معهم التذكير بمكارم الأخلاق. وأعداء الشعب الفلسطيني لن يسعدهم شيء بمقدار ما يُسعدهم توسيع دائرة أعدائه. وغير مفيد التحذير مما يدفع إسرائيل إلى تعميم الفوضى وتأجيج الفتن في محيطها العربي، إذ لمن يمكن توجيه هذا التّحذير، ألحلفاء إسرائيل الذين يفعلون ما تفعله هي وأكثر، أم لدول التبعية العربية التي تنافس  إسرائيل وحلفاءها في العمل لتخريب سورية وتفشيل دولتها؟!
شيء واحد قد يُفيد، هو تحذير الفلسطينيين من خطر الانهماك في الشؤون الداخلية للبلد الذي يوجدون فيه، خصوصا حين يتعلق الأمر بصراع قوى البلد والقوى الخارجية على السلطة فيه. وفي السياق، قد يُفيد أيضًا تحذير صناع الرأي العام الفلسطيني، ممن لم يُفقدهم تعقيد الأحوال توازنهم، من مغبّة أخذ أمور سورية بخفة والتسرع في إصدار الأحكام.
وضع سورية يشتد تعقيدًا باشتداد الصراع عليها وما ينجم عنه من اشتداد الصراع داخلها. وتعقيد الوضع يحمل مخاطر للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، مخاطر أكبر وأبعد غورًا من هذه التي برزت حتى اللحظة. وإذا كانت جمهرة الفلسطينيين قد اهتدت إلى ما ينفعها وتجنبت الاصطفاف، فمن المفيد أن يحظى هذا الموقف بالدعم وأن يتعزّز، لسدّ الطريق على زعران المعارضة السورية الذين يحاولون اختراقه.
وهنا تشتدّ الحاجة إلى تذكير السلطة الفلسطينية بالواجب الذي يملي عليها أن تزن سلوكها تجاه الوضع في سورية بميزان الذهب. فهذه السلطة مطالبة بان تفعل ما يلزم لتجنيب فلسطينيي سورية الولوغ في حمأة الدماء.

قد يهمّكم أيضا..
featured

في نقد خطاب الهويّة

featured

حذار من نموذج الفاتيكان

featured

من هنا أرى غزّة

featured

قعقور التفاوض وفنار لل OECD

featured

الزيتون الفلسطيني أيضًا يقاوم

featured

يوميات هدى وأرشيف البداية 90 عامًا

featured

الاقصى تحت النار..!