لم تعد مقولة "الاقصى في خطر" كافية بعد كل الذي شهدته الايام الماضية من اقتحامات يومية، وهجمات متوالية ومتصاعدة، من قبل "دواعش" الاحتلال، سواء كانوا مستوطنين او رجال "أمن"، لان الاقصى اصبح تحت النار، وباحاته اصبحت ساحات حرب عدوانية.
فالأقصى يدنّس صباح مساء ليس من قبل العصابات السائبة فقط، وإنما ايضا من قبل وزراء في حكومة اسرائيل، وبحماية ورعاية الاذرع الامنية المختلفة. والأقصى مستهدف منذ عدوان 1967، وكانت البداية في الحريق الذي قام به الاسترالي مايكل روهان في آب 1969. ولكن الوضع اليوم اخذ منحى خطيرا، حيث تسعى اسرائيل لخلق واقع جديد يتمثل بالتقسيم المكاني والزماني، كما فعلت في الحرم الابراهيمي في الخليل. والمخطط الاسرائيلي يستهدف في النهاية بناء الهيكل المزعوم مكان المسجد الاقصى. وهو حلم توراتي ينتظر الظرف المواتي ليصبح ذلك حقيقة قائمة. وهم يعلمون ان ذلك ليس بالأمر السهل، لان المسجد الاقصى المبارك اكثر واكبر من خط احمر، انه ببساطة تحويل الصراع الى مواجهة دينية وقومية شاملة. وإذا حدث هذا فانه يعتبر تغييرا جذريا في الصراع الدامي القائم منذ مئة عام.
والأقصى، عند كل عربي ومسلم، ليس مجرد مكان عبادة، انه رمز من رموز العقيدة، وهو جامع الجوامع، تماما كالقدس. فهي ليست مدينة او عاصمة فقط. بل هي ام المدن وعاصمة العواصم وحين يصل الاحتلال بالمواجهة الى هذا الحد، فانه ينقل الصراع الى حالة جيدة، ويفتح الابواب على مصاريعها لكل الاحتمالات.
وربما تصور الاحتلال ان الظروف الحالية التي يمر بها العرب والمسلمون قد تكون مؤاتية له لتحقيق اطماعه التوراتية والتلمودية. وهو تقدير خاطئ، وحماقة ما بعدها حماقة، لان كل شيء عندها سيتغير، وقواعد الاشتباك ستتغير، والصراع سيأخذ طابعا دمويا لا مجال فيه لأي حل سلمي او تفاهم، بأي شكل من الأشكال. وقد لا يدركون ذلك لأنهم مخمورون بنزعات القوة.
والشعب الفلسطيني في الوقت الراهن لا يراهن على احد في التصدي لهذه الهجمة الخطيرة، ولا يأمل ان يكون هناك دور فاعل لا للجامعة العربية ولا لمنظمة التعاون الإسلامي، او اي هيئة دولية اخرى. وأبناء هذا الشعب بلحمهم ودمهم هم حماة الاقصى وحماة القدس، كما ان للبيت ربًّا يحميه وشعبا يفديه. وسيبقى هؤلاء الاوفياءَ لأقصاهم ومقدساتهم الاسلامية والمسيحية، ولن يتراجعوا مهما فرضت سلطات الاحتلال من قيود او مارست كل انواع القمع والقهر. فليس امام الفلسطيني إلا الثبات والصمود، حتى يقضي الله امرا كان مفعولا.
ونحن لا نستبعد ان يقوم هذا الاحتلال، المنفلت والقبيح، بارتكاب حماقة صاعقة - وكل المؤشرات تدل على ذلك - تكون محصلتها هدم المسجد الاقصى، رغم ان حفرياته تحت الأزقة، وفي كل مكان ذهب اليه، لم تسفر عن ايجاد اي دليل تاريخي يرتكز عليه في تنفيذ مخططاته. فلا اثر لهيكل مزعوم، او تاريخ مفترض، فالحفريات جميعها لم توصلهم الى شيء من هذا، او قريب منه.
وإذا حصل ما يدبّرون له، وحصلت الحماقة الكبرى، فان كل شيء في المنطقة سيتغير. وعندها سيرى كل عربي ومسلم وكل محب للسلام ان واجبه هو ملاقاة هذا الخطر الداهم. فالأقصى لا بل القدس ستكون هي البوصلة، وهي مربط الفرس. وحذارِ ان تجرّوا انفسكم الى هذا الأتون، لأنكم تضعون انفسكم وقتها في واجهة مع الجميع، وربما تكون هي الواقعة الكبرى..!!
