ودّعت قرى الشاغور، مجد الكروم ودير الاسد والبعنة والقرى المجاورة احد ابنائها البررة الذين سطروا بأفعالهم وسلوكياتهم صفحات ساطعة ما زال بريقها ملهما لكل من يطلب ويرغب في حياة متميزة بالعطاء والطيبة والمسؤولية.
الراحل هو أبو مرشد رشيد فرحات او كما نسميه، الاستاذ ابو مرشد الذي انتقل الى جوار ربه في اثناء عودته من رحلة عبادة في القدس الشريف، في اعقاب حادث طرق للحافلة التي اقلت المصلين من الشاغور ضمن برنامج "شد الرحال الى الاقصى" الذي ينظم كل اسبوع .
ايماننا بالقضاء والقدر لم يستطع التغلب على المفاجأة . فالمصاب كبير وليس من السهل على مجتمع ان يفقد احد ابنائه المؤسسين والمساهمين في بلورة حياته وقيمه ومفاهيمه، ان يتعود هكذا وبسرعة على تخطي الفراغ او ملئه . ولعل الصدمة والحيرة والعجز عن دفع او رد المصاب من العوامل التي تدفع بالمرء لأن يفكر ويجمع الذكريات الإيجابية للراحل العظيم لتكون نبراسا يقتدي به الناشئة والناس اجمعون.
بادئ ذي بدء اذكّر ان المرحوم احتل عندي مكانة كبيرة ومميزة. حاولت دائما ان اقلد فيه خطه الجميل وهدوءه ، واستقامته وحجته واصغاءه. ولا ابالغ ان قلت ان استقامته أثارث عندي عدة تساؤلات عما اذا كان باستطاعته اي انسان عادي او كائن يتمتع بصفات فوق انسانية ان يفعلها.
سأحاول من خلال سرد ثلاث تجارب مع المرحوم ان ابرز صفات تشرّف كل من يحملها لان كل ما فيها يدل على تجمع كم هائل من الصفات الخيرة والمسؤولة والواعية في شخص المرحوم .
اولا- في العام 1976 وفي بيت الصديق الدكتور حسن أمون وبحضور السادة محمد مناع رئيس مجلس مجد الكروم الحالي وحينذاك . والمرحوم الاستاذ علي حيدر المدير السابق للمعارف العربية ومن مجلس دير الاسد رئيسه في ذلك الحين الاخ علي صنع الله اطال الله في عمره – وانا عضو مجلس دير الاسد ، ودار الحديث حول فكرة اقامة المدرسة الثانوية المشتركة للقرى الثلاث مجد الكروم ، دير الاسد والبعنة . جلس المرحوم صامتا طوال الوقت والحديث يدور بين ثلاثة اشخاصٍ هم رئيسا المجلسين المحليين ومدير المعارف العربية. وطرحت فكرة اتحاد المدن (ايجود عريم) للقرى الثلاث وامكانية ضم قرية نحف الى الاتحاد والعمل على بناء مدرسة مشتركة للقرى الاربع باختصاصات مختلفة ولمصلحة طلاب المنطقة.!! اذكر للمرحوم مداخلة في ذلك الحديث اذ توجه الينا وقال ارجوكم ان توافقوا على اقامة المدرسة الثانوية لان الموافقة تفسد على الوزارة مراهنتها علينا، فهي تراهن على خلافنا وسوف تعارض اقامة المدرسة لنا لنهجها في اتباعها سياسة التجهيل العنصرية ضدنا وستكون حجتها في ذلك خلافاتنا!! واعتقد ان لهذا الرأي كان وزن ايجابي في اتخاذ القرار بالموافقة على اقامة المدرسة الثانوية المشتركة في مجد الكروم ولا يمكن انكار ما قام به المرحوم من رسم الاسس التربوية والاخلاقية والقانونية للمدرسة. وفي عهده كانت المدرسة دفيئة تربوية واجتماعية خرّجت القيادات والقوى الواعية والقائدة في قرانا هذه الايام.
ثانيا – ربما كان ذلك في نفس السنة او في السنة التي بعدها وعندما كنت معلما في مدرسة البعنة طورنا في مدارسنا نهجا من مباريات الكرة الطائرة بين المعلمين في مدارس قرانا الثلاث . ففي كل شهر تقريبا لعب فريق معلمي مدرستنا مع فريق معلمين من مدارس مجد الكروم او دير الاسد ، والملاعب كانت متبادلة. وللحق فقد طورت هذه الممارسة علاقات الصداقة بيننا سنين طويلة فحدث مرة ان لعبنا في مدرسة ما تسمى اليوم "السلام" في مجد الكروم فريق معلمي البعنة ضد فريق معلمي مدرسة السلام المذكورة. واختير المرحوم ليكون حكما للمباراة فأخذ الصفارة وبوجه جدي جهم قال لنا ارجوكم ان تلعبوا رياضة فقط!! لن اسمح بان يتحول اللعب الى جدل وصياح.... ثم اطلق صفارته وابتدأت اللعبة واثناء اللعب اختلفنا معه على قراره في ضربة ما، وما كان مني الا ان صرخت في وجهه.. قائلا: هذا خطأ وتحيز، فما كان منه الا ان قال لي اخرج من اللعبة!! فرفضت فقال لي اما انا.. او إما انت... اذا لم تخرج فسأخرج انا ثم رمى بالصفارة وترك المكان، فما كان مني الا ان خرجت ولحقت به أعدته ليواصل التحكيم وتابعنا اللعب وانا في الخارج.. وفي هذا المثل تجلى امامي رجل جدي جل اهتمامه كان في تسيير الامور بأسلوبها الصحيح والصائب.
ثالثا- وربما كانت اهمها جميعا، وهي حادثة الدفتر الذي ما زالت ذكراه ترافقني الى اليوم الاخير من علاقتنا، وكان ذلك سنة 1960 يوم تسجلت للصف العاشر في ثانوية الرامة وحينها لم يكن للطالب أي امل في الحصول على كتب للمواد التي يتعلمها الا ربما في الناصرة حيث كانت مكتبة المرحوم فؤاد دانيال تزود الطلاب بالمواد منسوخة على الستانسل.
وعليه كان لا بد من كل طالب ان يتدبر امر نفسه ويحاول ان يحصل على دفاتر المواد التعليمية ممن سبقه من الطلاب النشيطين وكانت صعبة جدا خاصة في موضوعي التاريخ والجغرافيا اللذين يدرسهما استاذنا الجليل غطاس غطاس اطال الله في عمره..
لقد سألت كثيرا ممن سبقني من طلاب دير الاسد الذين تخرجوا من مدرسة الرامة الثانوية وكان منهم صديقنا واستاذنا الجليل المرحوم ابو رؤوف احمد اسدي، وبسبب المحبة التي ربطت علاقتنا فقال لي سأرشدك على دفتر يمتلكه احد الاصدقاء ولكن اذا تم وحصلت عليه فستكون اسعد الناس وقد يحل لك المشكلة حتى لامتحانات البجروت!! فقال رحمه الله "اذهب الى مجد الكروم واسأل عن الاخ رشيد فرحات واطلب منه الدفتر وبلّغه السلام. واذا احتاج الامر سأذهب انا بنفسي اليه، فذهبت ووصلت بيت اسرة المرحوم وكان حينها اعزب وشابا فسأل وسأل، ثم اراد ان يتأكد من وجود دور ابي رؤوف في العملية وفي النهاية اعطاني الدفتر.
واعتقد ان الدفتر ما زال عندي الى اليوم، ولكن من الدفتر تستطيع ان تعرف الكثير عن مفاهيم المرحوم فقيمة الترتيب عنده كانت كبيرة ، ولكن النظام، الوضوح .. اللغة العربية الصحيحة اكبر، والاكبر من كل ذلك نزعته للخير وتقديم المساعدة للآخرين، فمن كثرة ما اوصاني على الدفتر ادركت انه يريد ان يعطي الدفتر للمحتاجين اليه من بعدي، فما فتئ يوصيني قائلا دير بالك على الدفتر، اياك ان تمزق منه ورقة ، ارجو ان تعيده لي بعد الاستعمال. وخرجنا من الباب وانا اسمع الوصايا.. وبالفعل وفقني الله بان تميزت عن طلاب صفي في حينه بان حصلت على احسن الدفاتر والمصادر التعليمية في دراستي الثانوية في الرامة. وبعد ذلك كبرت العلاقة بيننا فكنت احرص على ان اكون معه في أي منتدى لاستمع الى معلوماته الصحيحة المدعومة او الى نقاشه العنيد المدعم بالدليل القاطع حول فكرة ما او رأي ما.
لقد تمتعت واستثمرت معلوماته الدينية بطريق السؤال والجواب، واعتقد انه قضى ايامه خلال فترة التقاعد بمواصلة الدراسة والتعمق في الدين الاسلامي.
في النهاية لا يسعنا الا ان نقرّ وكمؤمنين بحتمية نهاية كل مخلوق ورغم اسفنا وحزننا برحيل ابي مرشد فسيظل ذكره الطيب ونهج حياته الواعي بوصلة لتوجهاتنا ونبعا لا ينضب ننهل منه متى شئنا، راحة لنا وطمأنينة تبشر بأننا بخير.
رحم الله ابا مرشد واسكنه فسيح جناته، وتعازينا لأسرته وعائلته ومجتمعه، وإنا لله وانا اليه راجعون.
