في إحدى المظاهرات من اليمين اليسار: طيّبا الذّكر باسم جبران وآرنا مير خميس، والرفيقة طيبة الذكر وردة شومر حبيب، والرفيقة هنيّة شومر معمّر، طيّبة الذّكر لطفية شومر ولوريس ديب.
بمزيج من الأسى على رحيلها، والفخر بمسيرتها النضالية الطويلة، وقع علينا مطلع الأسبوع خبر رحيل الرفيقة وردة حبيب شومر (أم السعيد). كنّا نعلم أنّ حالتها الصحية، التي منعتها من حضور النشاطات المعارك الأخيرة، في ترد. ولكننا كنا نأمل أن تظل معنا ومع عائلتها الدافئة المُحبّة أكثر قليلاً.
عاشت أم السعيد ثمانين عامًا، وما أن شبّت على الحياة وجدت شعبها يتعرّض لمؤامرة لسلب وطنه، فوجدت طريقها إلى الشبيبة الشيوعية في الناصرة، وقاومت المؤامرة على شعبها بالمنشور والجريدة والمظاهرة العريضة، وبالإنشاد أيضًا. يومَها، كان من "العيب" أن تخرج الفتاة لتبيع جريدة وتقرأها للأميين، أو أن تجمع توقيعات على عريضة. أما اليوم فاستبدلنا ثقافة "العيب" بثقافة "الحرام"!
بعد انتقالها، مع رفيقنا طيب الذكر عيسى حبيب، إلى حيفا في أواخر الخمسينيات، نشطت في فرع الحزب في حيفا وفي حركة النساء الديمقراطيات. قبل ثمانية أعوام أجريتُ معها مقابلة لمناسبة مرور 60 عامًا على صدور "الاتحاد". فحدّثتني عن "احتفالات العاشوراء" سنة 1958 واعتقال الرفاق في الناصرة، وكيف أخذت النساء والفتيات زمام المبادرة فقمن بتوزيع الجريدة وحدهنّ، من الناصرة حتى الرينة وكفركنا مشيًا على الأقدام.
وحدّثتني عن حادثة اعتقال "جوقة الطليعة" في أحد المهرجانات الشعبية في عيلبون، والزجّ بحوالي السبعين منهم في معتقل في مجد الكروم، فراحوا ينشدون، فنقلوهم إلى معتقل آخر في عكا وحدث نفس الأمر، ثم إلى العفولة. "أهالينا لم يتقبلوا أن يتم اعتقالنا خاصةً الفتيات منّا ولكننا لم نهتم بل كنا في غاية السعيدة نظرًا لنجاحنا في تحويل المعتقل إلى مهرجان بأناشيدنا". إنه، حتمًا، "خوفُ الطغاة من الأغنيات"!
هذا الشعب الخارج من جحيم النكبة، شعر بقوته في صفوف الحزب، وشعر بخوف السلطان الجائر من كلمة الحق. "كان الحاكم العسكري يخشى الشيوعيين فيقوم بتسريع عملية إصدار التصاريح للعمال خوفًا من تحوّل الطابور إلى مظاهرة".
الرفيقة وردة، بتواضعها، بنشاطها الدؤوب، بتفانيها، بإنكار لذ اتها، بعطائها، بحرقتها على الحزب، هي رمز لجيل من الشيوعيين خلّف لنا ميراثًا لا يموت. وهذه الوردة، وإن ذوت، فستزهّر ورودًا كثيرة في بستان حزبنا وشعبنا، وفي حقول النضال المشوبة بالحديد والنار والأعشاب الضارّة.
فمن الورد إلى الورد يا أم السعيد.
