ما بين القائد والحاكم

single

انتهت الجولة الثانية من انتخابات السلطات المحليّة. في هذه الانتخابات تعمّقت ورسخت وانتشرت آفات اجتماعيّة وتربويّة وأخلاقيّة كنّا ندركها ونتألّم منها ولها، ونخاف على مجتمعنا أن يقع في أسرها، ونقلق لتفشّيها وثبوتها كعادات وأعراف... ولعجزنا على هزيمة هذه الآفات في الماضي، واجهْنا مَن يطالبنا بالاستسلام و... وبترك الساحات للعائليّة وللطائفيّة وللمحسوبيّة وللتخويف وللبلطجة وللمال السياسيّ و... وللإجرام المنظّم والعبثيّ والفوضويّ.
ما لاحظْته في هذه الانتخابات أنّ غالبيّة المصوّتين في قرانا ومدننا العربيّة لم تفرّق ما بين القائد والحاكم..
إنّني لا أبحث في سبب ضحالة الثقافة الديمقراطيّة التي تحول دون إرساء الديمقراطيّة، وتعرقل سيرورتها، وتفضح المدّعين بها، وتشلّ فكرها وبعض الداعين لها، وتشوّه المنطق السليم، وتحكّم العواطف البدائيّة...
ما يقلقني أنّ غالبيّة الناس لم تعد تميّز بين قائد وحاكم! مِن الواضح أنّ غالبيّة الناس اختارت في هذه الانتخابات رئيس عصابة/شيخ قبيلة/مديرًا/موظّفًا كبيرًا/سلطانًا... ليستولي على الحكم- السلطة المحليّة، لإشباع رغبات، ولتحقيق منافع ومصالح ذاتيّة آنيّة، ولم تختر مَن يقودها، يقود كلّ الناس من الأطياف السياسيّة كافّة ، وعلى جميع مشاربها العقائديّة، إلى تحقيق أهداف مشتركة وعامّة نحلم بها برؤيا أبعد من الدورة الانتخابيّة الحاليّة.
الحاكم يريد الناس مطيّة ومنصّة للقفز إلى سدّة الحكم؛ كي يحقّق أهدافا ضيّقة وفئويّة، وبالتالي ليهابه الناس أكثر ممّا يحبّونه. أمّا القائد فيقود المجموعة وبالتعاون معها إلى تحقيق الأهداف المشتركة، وبالتالي يرفع من مستوى دافعيّتها كشرط مسهّل ومساعد على تطوير وترسيخ الأنماط السلوكيّة الإنسانيّة الحضاريّة، وليكمّلوا معًا الدورة الدافعيّة في مراحلها الثلاث: 1- وجود الحاجة/الحافز. 2- الاستجابة والتوصّل إلى تحقيق الأهداف لإشباع الحاجة. 3- حالة الارتياح من الحاجة. وبعد ذلك يبدأون معًا دورة جديدة أخرى.
القائد يؤثّر بأسلوب حضاريّ على مَن حوله ويدفعهم إلى عمل/تحقيق شيء/هدف محدّد، كانوا لن يفعلوه/يحقّقوه لولا تأثير القائد وحثّهم على ذلك، ومثل هكذا قائد يكون على مستوى عالٍ من الثقافة والوعي.
أمّا الحاكم فيشجّع مَن حوله على الاستمرار في عمل ما يحلو لهم، ولو كان عملا أهوج وعنيفا، ومثل هذا التشجيع لا يحتاج إلى حاكم مميّز، ولا يتطلّب منه أن يكون على مستوى عالٍ من الثقافة والوعي.
يكتشف القائد الدوافع الكامنة بمَن حوله، ويوجهّها نحو تحقيق أهداف خيّرة للمجتمع بأسره، أمّا الحاكم؛ فيكتشف المحيطون به رغباته وطموحاته وغرائزه و...ويعملون على إشباعها وإرضائها وإنمائها و...، من إلقاء العباءة على كتفيه حتّى إخافة الناس في الشوارع.
سلطة القائد ليست نتيجة لوظيفته ولمكانته فقط؛ بلّ يستمدّها أيضا من صفاته الشخصيّة ومن الناس التي تثق به وتؤمن به. والإيمان بالقائد لا يأتي بعفويّة وصدفة. لذا، مَن تتزعزع ثقته بالقائد بسرعة وبتهوّر؛ فهو أوّلا لا يفقه معنى القيادة، وثانيا كانت ثقته بالقائد مشوّهة ومشوبة بالشروط الغرائزيّة المسبقة والأنانيّة الضيّقة، وثالثا هو يتلذّذ على سماع كلمات محشوّة بالرصاص، يطلقها كطفل بدون وازع على مَن لا يهدّده بعقاب.
أنا لا أنكر أنّ القيادة صفة مكتسبة ومتحوّلة؛ لكنّها ليست مزاجيّة ومرتبطة بالأهواء وبأحوال الطقس وبعدد المصفّقين، لكن ليس كلّ حاكم بقائد بالضرورة، وليس كلّ مَن يتحلّى بالكاريزما بقائد، ولا كلّ صاحب عزيمة وإصرار وحلم هو قائد. ولا كلّ مَن يتقن الترحيب والعلاقات الإنسانيّة، ويظهر الحساسيّة والشجاعة هو قائد بالضرورة و...
 القائد هو الذي يتحلّى بالصفات القياديّة ويوظّفها ويطوّرها ويعمل بأساليب/بسيرورات قياديّة ليقود مجموعته ويتعاون معها من أجل تحقيق الأهداف المشتركة.
إذًا السؤال: كيف نصل إلى الأهداف؟ أهمّ مِن: ما هي الأهداف؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

" ترامب " والنّوريات والسّعدان وحمير النَّوَر.

featured

لاتكفي التعزية!!

featured

البابا مبارك السادس عشر

featured

ثَرْوَةٌ وثَوْرَة..!

featured

عصام العباسي.. حارسًا لذاكرة المكان!

featured

لا لتبرير جريمة الحصار!

featured

في وداع العم فهد توفيق شحادة (ابو توفيق)

featured

الى بركة قائدا ومناضلًا