//مما سبق يمكن استنتاج ما يلي: في ظل رئاسة محمد مرسي، لن يُحدث فرقاً كبيراً تجاه الحالة الفلسطينية عبر استهداف مركز ومخطط، وسيكون تركيزه على ترسيخ أركان حكمه وسيطرته ومعالجة تحديات الوضع الداخلي، وسيعمد إلى تبريد الجبهات الخارجية. وإذا ما حدث فرق (سلباً أو إيجاباً) فسيكون بالتدحرج (إما أن تستدرجه إسرائيل، وإما أن تسبقه الأحداث فيلحق بها، وإما أن يضطره الوضع المصري الداخلي إلى المناوشة على الحدود).
في هذا الصدد، ستحظى حركة حماس برعاية خاصة واهتمام كبير. فمن مدح المقاومة وصمود غزة، إلى محاولة تعديل شروط المصالحة بما يخدم حماس، ومن إدخال تحسينات على الوضع الإنساني في غزة، إلى محاولة الاستفادة من "الوضع الحساس والحرج" في غزة في الضغط على المؤسسة الأمنية والعسكرية للحصول على تنازلات في صراعه معها.
ورغم ذلك، سيظل ارضاء حماس وتهدئة مخاوفها محكوماً بعاملين أساسيين: الأول، ألا يحسب هذا الاسترضاء على مصر بوصفه تكريساً لانقسام القضية وتضييعها، وثانياً ألا يغضب إسرائيل بحيث يجلب لحركة الإخوان المسلمين متاعب داخلية أو يضع عراقيل أمام تكريس سيطرتها السياسية. في غضون ذلك، يمكن توقع قيام مرسي بالخطوات التالية: ابقاء الملف الفلسطيني في يد المخابرات المصرية، ورفض دعوات نقله إلى الخارجية أو الهيئة الاستشارية للرئيس، الاستمرار في استخدام مفردات ملتبسة تجاه الموضوع الفلسطيني بحيث ترضي كل الأطراف، تماماً مثلما هو الحال في خطابه تجاه الدولة المدنية. فتح معبر رفح بالكامل وإنهاء ظاهرة الأنفاق والتحكم المزدوج (بالتنسيق مع حكومة الأمر الواقع) في عمليات تهريب الأسلحة أو شن عمليات ضد إسرائيل من شبه جزيرة سيناء. فرض التهدئة في قطاع غزة تجنباً للصدام مع إسرائيل. رعاية ملف المصالحة بصورة مباشرة وممارسة بعض الضغوط على طرفي الانقسام، دون أن يصل الأمر حد تغيير الواقع على الأرض كثيراً أو يستدعي دخول إسرائيل على الخط (ربما يجري الاتفاق على إعادة ترتيب أوضاع المنظمة وليس السلطة على الأرض).
من المرجح أن هذه السياسة لن تكون دائمة، إذ سرعان ما تبدأ عمليات تسخين الجبهة تدريجياً، إما نتيجة لسلوك إسرائيلي استباقي وعدواني في سيناء خصوصاً، وإما لرغبة القيادة المصرية في التحرر من قيود الاتفاقيات المكبلة تحت تأثير ضغط الشارع المصري والعربي، وإما نتيجة موقف إضطراري للقيادة في مواجهة تعقيدات الجبهة الداخلية أو ضغوطات خارجية (عدم تمكينهم من الحكم وممارسة الصلاحيات، قطع المعونات الأمريكية، عدوان جديد على قطاع غزة).
وفي مطلق الأحوال، لن تتصرف الحركة انطلاقاً من اعتبارات الأخلاق والأيديولوجيا، وإنما دائماً من حسابات السياسة ومقتضيات ديمومة الحكم. ومن المرجح ألا تقدم القيادة الجديدة، تحت تأثير الضغط الشعبي والانحيازات الأيديولوجية، علي أي خطوات من شأنها أن تعرضها للعقاب الأميركي والغضب الإسرائيلي، وقصارى ما يمكن أن تذهب إليه، إلى جانب تسهيل الأوضاع المعيشية لسكان قطاع غزة، الشجب والاستنكار والانتصار الدبلوماسي للقضية في المحافل الدولية. ولذلك، خلا البرنامج الانتخابي وخطابات الرئيس من خارطة طريق واضحة ومحددة نحو مساهمة مصر في تعزيز حقوق الفلسطينيين ورد عدوان إسرائيل عنهم بما في ذلك الضم والتهويد وربما التهجير.
أخيراً، يمكن القول بصراحة، أن جعبة الإخوان المسلمين تخلو من أي حل سحري للقضية الفلسطينية على الرغم من الجعجعة الإعلامية والخطابات الشعبوية، وأن اللاءات الشهيرة لا اعتراف ولا تفاوض ورفع لواء الجهاد وسيلة وحيدة لتحرير فلسطين، ستصبح ايضاً في ظل حكم الإخوان رهناً بمقتضيات الحكم وضرورات السياسة. غير أن الواقع الجديد في مصر، رغم كل شيء، سيفتح على مسارات غير معهودة، أهمها إعادة تقييم الموقف في ضوء الإخفاق التاريخي للحركات السياسية الكبرى في تحقيق الحلم العربي: الوحدة، تحرير فلسطين، التنمية واللحاق بركب الحضارة الإنسانية.
*إسرائيل بالمرصاد: تعظيم الفرص وتقليل التهديدات*
!
هل ثمة ما يقلق إسرائيل تجاه ما يحدث في مصر؟ هل تلقت إسرائيل رسائل الطمأنة بارتياح؟ هل ستقف مكتوفة الأيدي حتى يتمكن الرئيس المنتخب من بناء عوامل القوة الذاتية، الاقتصادية والعسكرية والتقنية، والتحالفات الإقليمية الداعمة؟ هل بمقدورها وقف عجلة التاريخ والتحكم عن بعد في مجريات الأحداث في المنطقة بما يدرأ عنها المخاطر ويعظم أمامها الفرص؟ وما انعكاس رد الفعل الإسرائيلي على المسألة الفلسطينية؟
إن ممالا شك فيه، أن إسرائيل تنظر بقلق بالغ إلى أحداث الربيع العربي عموماً وإلى ما يحدث في مصر على وجه الخصوص لاعتبارات الجغرافيا السياسية، والعوامل التاريخية، وقوة مصر كدولة مركزية. وتبقى المحددات، ذاتها، التي حكمت سلوك إسرائيل وأفعالها في المنطقة طوال عقود، صالحة كإطار تحليلي للموقف الإسرائيلي المحتمل تجاه الأوضاع الناشئة في مصر: عدم السماح ببروز قوة إقليمية قادرة على المواجهة، حل المسألة الفلسطينية بأبعادها المختلفة على حساب العرب، الذين، بحسبها، تسببوا في نشأة هذه المشكلة، وأخيراً امتلاك ما يكفي من القوة للردع وفرض الأمر الواقع بما في ذلك حق القيام بخطوات استباقية.
ومع صعود اليمين الصهيوني، القومي والديني، وتسلمه قيادة إسرائيل، بدا واضحاً أن مسيرة التسوية التي بدأت مع كامب ديفيد، محصلة لموازين القوى الإقليمية والدولية آنذاك، وفرضت على إسرائيل تنازلات، باتت قيادتها الحالية ترى أنها غير مبررة، حتى أن بعض عتاة اليمين يدعو إلى إعادة احتلال سيناء على سبيل المثال، كما أن خطة شارون انطوت، من حيث الجوهر، على فك الارتباط التعاقدي بين منظمة التحرير وإسرائيل بما يطلق يد الأخيرة في تحقيق أهدافها بسياسة الأمر الواقع وتبني سياسة الردع.
والمفارقة المؤلمة، أنه في غياب عوامل القوة العربية الفعلية لاجبار إسرائيل على التنازل والانصياع لقرارات الشرعية الدولية، شكلت أنظمة الاستبداد والفساد، بالرغم من تواطؤها مع إسرائيل قيداً على سلوك إسرائيل وحريتها أن تفعل ما تريد. وبالتالي، تفضل إسرائيل من حيث الجوهر التعامل مع أنظمة لا تدخل معها في تعاقد ملزم، تعلي من اللغة الخطابية، ولا تمتلك في الواقع ما يكفي من القوة الفعلية لإلحاق الهزيمة بإسرائيل أو حتى ردعها عن سلوكها العدواني أو تنكرها للحقوق الفلسطينية والعربية.
تجد قيادة حركة الإخوان المسلمين، وقد وصلت سدة الحكم في مصر، وربما في بلاد عربية اخرى، إدراكاً منها لحقيقة نوايا إسرائيل وسياساتها، وفارق القوة، في حرج عظيم: فإما أن تعلن الجهاد المقدس، مثلما وعدت وتوعدت وهي في المعارضة، وإما أن تفعل ما كانت تفعله النظم البائدة من استخذاء وضعة وتواطؤ! ولأنها لن تفعل هذا ولا ذاك، قصارى جهدها خطاب عنجهي يؤكد على الثوابت، مع سعي حثيث للاسترضاء والطمأنة. ولأن الأمر كذلك، فسوف تستغله إسرائيل أفضل استغلال: إعاقة التقدم والنهضة، فرض شروط وقيود جديدة، خلق وقائع على الأرض، وسوف تتبع أكثر من وسيلة وإستراتيجية: الحذر والترقب، سياسة الارباك والتشويش، إستراتيجية الاستدراج المبكر، الضغط والابتزاز والمساومة، والعرابون كثر!
* عضو المكتب السياسي gحزب الشعب الفلسطيني
(يتبع حلقة اخيرة، غدًا)
