أنيس زهران: لم يتراجع عن مواقفه الجريئة

single

في الرابع من آذار سنه 2010 غادرنا المرحوم أنيس زهران واحتضن جثمانَه ثرى عبلين . وفي إحدى الليالي التالية لفت نظري أفراد عائلتي الى ضرورة ان أوفي المرحوم أنيس حقه او بعضا منه خاصة ان المرحوم "رفيقي الاول" في تأسيس فرع الحزب الشيوعي في عبلين.
تأثرت وتأسفت لان جيلي المتقدم قد اضعف الذاكرة وشتت الأفكار  فلملمت بعضا من ذكرياتي عن علاقتي بالمرحوم – وكانت قد بدات منذ أوأسط أربعينيات القرن الماضي  أي قبل ستة عقود من الزمن  في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين وإبان الحرب العالمية الثانية.
كنا في سني شبابنا وفي العشرينات من أعمارنا. اضطرتنا ظروفنا المعيشية الى التفتيش عن مصدر معيشتنا خارج قرانا . وكنا قد تعلمنا اللغة الإنجليزية في المدرسة، الأمر الذي ساعدنا على إيجاد عمل لنا في معسكرات الجيش البريطاني المتواجدة في حينه في فلسطين بسبب الحرب ألعالمية ألثانية، فاشتعل كلانا في حيفا ومحيطها كل في موقع من معسكرات الجيش في ما يسمى بالـ"نافي" وهو اختصار لاسم ألمؤسسه التي تقدم خدمات الأكل السريع والكماليات لإفراد الجيش الإنجليزي اثناء فتره الراحة.
تعرفت عن كثب على المرحوم من خلال عصبة التحرر الوطني وتوثقت العلاقة بيننا الى ان عدنا الى عبلين بعد ان توترت  الأوضاع  في حيفا وتدهورت، ولم يعد بالمستطاع الاستمرار في العيش بها فعدنا الى عبلين حاملين أفكارا عقلانية –سياسة وموقف عصبة التحرر الوطني من القضية الفلسطينية وطرق حلها.
جميل جدا ان تكون وطنيا وجميل جدا ان تكون شيوعيا، ولكن لم يكن سهلا ان تكون هكذا في ظروف حساسة ومصيرية كالتي عايشناها – وكان أمامنا ان خيارَ!ي "دولتين لشعبين او دولة لشعبين" عربية ويهودية.
في عبلين، وفور عودتنا إليها ورغم خبرتنا المتواضعة التي اكتسبناها من خلال عصبه التحرر في حيفا،  رأينا ان من واجبنا أمام شعبنا ان نتحمل مسؤولية توجيه جماهير بلدنا وشرح موقفنا من حل القضية الفلسطينية .
كنا أربعة رفاق اكتسبنا خبره التنظيم من فرع العصبة في حيفا (المرحوم فوزي اسكندر حاج"ابو سمير" –المرحوم نصري المر- ابو انطون والمرحوم أنيس زهران وأنا. لم يتسنّ لنا الاتصال مع فرع العصبة في  حيفا وقتها بسبب ظروف النكبة -التهجير -الحرب المستعرة- الحكم العسكري-الفوضى ألعامة- وعدم وضوح المستقبل.  وبمبادرتنا الذاتية عقدنا اول اجتماع لنا في دكان المرحوم الذي عمل به حتى سنواته الاخيرة.  كنا ندخلها من الباب الخلفي بعد الإقفال "قلم ودفتر -محضر جلسات – وقرارات"،  وفي الجلسة التالية مراجعة الأبحاث ومدى تنفيذ القرارات.
لم يكن سهلا إقناع قسم كبير من أهالي عبلين بالحل الذي توصلت إليه "هيئة الامم" حل الدولتين دولة يهودية ودولة عربية صديقتان ومتجاورتان  وحدث ما حدث بسبب التآمر البريطاني مع الصهيونية والرجعية العربية  فكان لأنيس دورا في بث الأمل  لدى أهالي عبلين التي بقي غالبية أهلها فيها  في استمرارية الحياة بحلوها ومرها. لم يتراجع عن مواقفه الجريئة وأثمر نضالنا في اول معركة انتخابية جرت سنه 1949 للكنيست اذ حصلنا على حوالي  30 بالمائة من أصوات أهالي عبلين وأسكتت الاصوات التي كانت تهددنا واتهمتنا بـ"طولة اللسان على زعامة الشعب الفلسطيني" التي هربت من البلاد وتركت الفلسطينيين كالقطيع بلا راع.  رغم ان أنيس زهران لم يتحمل صعوبة التنظيم الحزبي لظروف خاصة به لكنه بقي طيلة عمره صديقا مخلصا للحزب الشيوعي وللجبهة وساهم في الكثير من النشاطات ماديا ومعنويا.


 (عبلين)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الكلمة القاتلة

featured

سبع سنوات على اعتقالي القمعي السياسي

featured

لماذا الضربة العسكرية

featured

روسيا في سوريا: نهاية القطب الواحد!

featured

حول كثرة القوائم ونوعيتها

featured

نتنياهو يزرع الأوهام، وسيحصدها!

featured

وللمخدرات أيضا وجه عنصري