عندما تكرر الاجتياح عام 2006 تأكد الجنرالات أن لبنان ليس لقمة سائغة
لم يكن العرب والعالم أجمع بحاجة إلى بيّنات أو قرائن أو حتى براهين مرئية بالعين المجردة على أن الدولة الصهيونية تستهدف لبنان كلّه، بسهوله وجباله وبقاعه ومائه وحتى الفضاء، ففي يوميات الرواد الأوائل للصهيونية ومنهم بن غوريون، اختلط الحبر باللعاب السام الذي سال على الليطاني، ولم يكن لبنان ذات يوم منذ أنشئت الدولة الصهيونية خارج تلك الأهداف، وحاولت كل ما استطاعت لاختراقه في أيام السلم والحرب على السواء، ثم تكتشف في كل مرة أن لبنان ليس كما تخيلته سياسياً وسياحياً، فهو بلد رقيق لكن كحد الشفرة، وعنيد إلى الحد الذي جعله أحياناً يأكل نفسه.
وقد تكون هذه العيّنة من حرب مصغرة ضد لبنان استكشافية، كما قال بعض المحللين، وإن كان لتوقيتها مغزى آخر، لأن لبنان يعيش هذه الأيام سجالاً سياسياً أخطأت تل أبيب قراءته، وقد تكون قرأته كما تشتهي وليس كما هو بالفعل.
الجيش اللبناني لا تعوزه العقيدة العسكرية ككل الجيوش الوطنية التي تعي وظيفتها الوطنية والتاريخية، حتى لو مرّت بظروف بالغة التعقيد، كالتي مرّ بها الجيش اللبناني وكل اللبنانيين، ولأن هذه العيّنة من العدوان نموذجية، فقد كان من ضحاياها إعلاميون، ومن المعروف أن حروب الصهيونية كلّها كانت ولا تزال تستهدف الشهود، لأن رهان أي كيان عنصري يتأسس على فلسفة الإبادة والاحتلال الذي يعقبه استحلال، هو على جريمة كاملة، على رغم أن هناك في هذا الملف الأسود صفحات افتضحت جرائم قامت بها الصهيونية عام 1948 إلى أن كشف عنها مؤرخون من اليهود أنفسهم كمذبحة الطنطورة.
ويبدو أن لجنرالات الصهيونية وساستها تصوراً خاصاً للبنان، دفعها أكثر من مرة إلى التورط بمائه ويابسته، ودفعت الثمن.
ففي اجتياح عام 1982 ظهر لأول مرة من الضباط والجنود من يرفعون أصواتهم ضد المؤسسة العسكرية، ومنهم ضباط كتبوا يوميات اعتبرت منعطفاً بالغ الخطورة في مسار المشروع الصهيوني، وكان د. البحراوي ممن قدموا نماذج واضحة للبرهنة على شقاء الوجدان لدى هؤلاء الضباط وجنودهم في كتابه “الصهيونية بين حَرْبين”، حيث توزعت الأحزان لأول مرة بين ما هو موضعي وما هو شامل، ولم تكن ظاهرة الأمهات اليهوديات الثواكل اللواتي تظاهرن أمام وزارة الحرب، إلا تعبيراً عن صحوة من غيبوبة ساهم الإعلام الصهيوني في تعميقها وإطالة أمدها، فمن عادوا من لبنان في التوابيت كانوا أكثر عدداً مما تصور سادتهم العسكريون، وعندما تكرر الاجتياح بعد ذلك بنحو ربع قرن، تأكد الجنرالات أن لبنان ليس لقمة سائغة، فهو بالرغم من كل مكابدات الدمار والتشريد صبر وثابر وقاوم، وتحولت هزيمة الكيان العبري في تلك المرة إلى فوبيا لبنانية بامتياز، لهذا فإن هذه العيّنات من العدوان هي بمثابة تحرش اختباري.
فالجيش لبناني بقدر ما هو عربي، والمقاومة في لبنان لا تخضع لتضاريس طائفية أو سياسية، لأنها مبثوثة في النسيج الوطني كله، ويندر أن نجد لبنانياً لا يحفظ في عمق الذاكرة شجناً منقوشاً بالدم، لأن القصف عندما استهدف لبنان كان يوحده من حيث لا يعلم، لأنه لم يستثن شجرة أو حجراً أو لبنانياً.
ولن تتوقف الدولة الصهيونية عن مسلسل الاختبارات هذا لقياس منسوب رد الفعل، لأنها عمياء وتصرّ على تكرار أخطائها.
* شاعر أردني
