على خلفية التدهور الحاصل في أوضاع الجماهير العربية في البلاد، سواء ما يؤرق من سوء حال والتباس في علاقة هذه الجماهير بالدولة ومؤسساتها، أو ما آلت إليه الأوضاع الداخلية لهذه الجماهير وما طفح من أدران شوهت صورة الجسد وعطلت عمل أعضائه، وأحيانا أعطبتها كلياً، على هذه الخلفية كتبت، وسبقني إلى ذلك كثر والتحق آخرون، وكلنا قلق ومستفز وسؤال الجميع يبقى ما العمل؟ وكيف الخلاص؟.
هذا هو السؤال السؤال، ففي خانة لماذا، كيل ما يكفي من تصورات وتحليلات، وهذه وان تعددت وتباينت، خلصت بمجملها إلى نتائج تستوجب التحرك والعمل لإيقاف هذا التدهور، فحماية مجتمعنا واجب يستصرخ وضمان مستقبلنا في وطننا أولى وأسمى الغايات والأهداف.
ولأن كفرياسيف أصابها ما أصاب باقي البلدات والقرى العربية من تخلف وتدهور وشابهت بحالها سوء حال أخواتها: جمود شبه تام وانعدام التطوير، وضع اقتصادي مترهل ومرهق، نظام إداري لا يمت للعصرنة بشيء، مدارس تتخبط وتئن من سوء رعاية وإقحام المحسوبيات في قرارات مصيريه تهدر كفاءات وتضيع فرص، انعدام الفرق الرياضية المدعومة بشكل مدروس ومنهجي، انعدام النشاطات الثقافية المفعّلة لجميع شرائح المجتمع، لا سيما جيل الشباب والأحداث، تفشي العنف وما يرافقه من اعتداءات خطيرة على الأرواح والممتلكات، مما يمس بأمن الأفراد وأمن المجتمع العام، والأهم تغييب كفرياسيف ودورها الرائد والفعال في قضايا شعبنا الفلسطيني وقضية الجماهير العربية في البلاد، القائمة طويلة والوضع محبط لا يطاق.
ولان كفرياسيف الماضي، كانت عكس ما وصف أعلاه وتميزت عن أخواتها اللاتي اتخذنها قدوةً ومثالاً، فهي التي كانت طليعية ومنارة ونواره وقلعة وما إلى ذلك مما نذكره ويذكره كل أبناء جيلي أو عربي في هذه البلاد .
ولأن كفرياسيف كانت الدفيئة لمناخ وطني سليم وبوصلة لا تخطئ بتحديد الأولويات وتحييد الغث والدخيل وكانت، كذلك، الحاضنة لكل برعم شبّ على طوق القمع والعنصرية، أياً كان مبعثها، وفي طليعتها عنصرية وقمع الدولة، فساحاتها ومنابرها كانت ملجئاً لكل صوت حر وجعبة لكل سهم انطلق ناشراً قيم الحرية والإنسانية .
ولأن الحال تبدَّل، وعوضاً عن التحاق البلدات والقرى العربية بما مثلته كفرياسيف الماضي وما كانت تعنيه، تراجعت هذه لتصبح حبة في عقدٍ بالٍ ومنفرط فلا تاج ولا درة تتوسط.
ولأن في كفرياسيف تسكن ثلاث طوائف، كان من العسير تمييزها وتجنيد إحداها ضد أخرى، واليوم ينخر سوس الطائفية عظمها، الذي أصبح وهناً وهشاً وقاب قوس أو أدنى من صدمة ستأتي حتماً، إذا لم يتغير الحال، وعندها لا تفلح جاهة ولا ينفع جاه.
ولأن كفرياسيف اليوم تغرق في العائلية الكلاسيكية التي استقوت وطوعت ظهور الأحزاب العربية السياسية الكبرى وأحنتها، فها هو التجمع الوطني يتبنى قائمة شكلت على أساس طائفي/عائلي واضح لتصبح هذه قائمة التجمع الوطني، وقبل التجمع كانت الجبهة الديمقراطية، الحزب الأعرق والأكبر، تفقد السارية وتتخلى عما أسسته، نظاماً وفكراً سبّاقين، تلجأ وتتبنى قوائم عائلية وكذلك فعلت القائمة العربية الموحدة.
ولأن في كفرياسيف اليوم يغيب صوت المثقف الحر، وهي البلدة التي اعتزت وبها جماهيرنا العربية كلها، بتخريجها أعلى نسبة من الأكاديميين في البلاد ولان الانطواء والابتعاد أصبحا طريقاً وملاذاً وبهما راحة وسكينة وبغياب هذا الصوت علا صوت العنصريين والمتزمتين والانتهازيين. صوت العقل والحق والحكمة صمت فصال الباطل وجال.
ولأن في كفرياسيف كما في كل مكان، الطبيعة لا تعرف فراغاً وكلما تراجع الحر الوطني المضحي المعطاء النير العاقل، هكذا يتقدم الانتهازي العنصري والضحية تكون دائماً المجتمع، أمنه، ازدهاره، وتطوره .
ولأنني وغيري في كفرياسيف ما زلنا نؤمن أن هناك فسحة من أمل لترميم ما كسر وتحطم فدعائم تلك المنارة ما زالت راسخة ومغروسة في أرضها وحجارتها، وان تبعثرت، ما زالت في حواكيرها وطرقاتها ومن غير المستحيل لملمتها وإعادة إعمارها لتعود مجدداً منارةً لأخواتها وان عجزنا هنا، لا أظنني أن الفرج سيأتي من هناك.
ونؤمن كذلك أن القضية اكبر من إدارة مجلس ولذلك أقولها واضحة: ما أرمي إليه هنا يتعدى حدود المجلس المحلي ومن يديره أو أداره في الماضي، القضية هي مجتمع يتفتت ويتحلل، بعدما كان حصناً استطاع حماية أفراده ومن استدفأ بجناحيه من الجوار. القضية هي أين وكيف أعيش أنا وإياك وأبنائي وأبناؤك؟.
ولأن، باعتقادي، في كفرياسيف ما يكفي من مقومات ومعطيات وكفاءات مخولة وقادرة على ضبط زمام المبادرة والعمل على تغيير الواقع وما ينذر به من آفات، أقترح وكي لا تبقى هذه كلمات عبث، وقعقعة لا تسمن ولا تغني من جوع، أن يتنادى جميع من يؤمن بما أومن به لتأسيس وإقامة إطار بلدي واسع شامل، إطار كفرياسيف الماضي والمستقبل، ليأخذ هذا على عاتقه بناء كفرياسيف التي نريد.
إن نجحنا في كفرياسيف سيؤثر هذا على باقي البلدات العربية، وعندها ترديد صرخة المرحوم إميل حبيبي للعرب بأن يتكفرسوا لا تكون من باب البكاء على ماض ولى أو التندر.
في كفرياسيف نستطيع إنجاح هذه الفكرة بقوانا الذاتية ولسنا بحاجه إلى دعم الأحزاب القطرية، هذا إذا كان دعمها على شاكلة ما عايناه وكابدناه منها في السنوات الماضية، فأهل كفرياسيف أدرى بشعابها ولذلك اتركونا نعمل، عسانا ننجح ولا تستكثروا على جماهيرنا واحة واحدة في هذا القفار الزاحف!
في كفرياسيف ما زال الأمر ممكناً ومتاحاً ولذلك قلت وأقول كفرياسيف أولاً!
