كم مرة أخطأت حساباتنا؟

single

كم هي المرات في حياة كل منا التي أخطأت فيها حساباتنا، فسارت الأمور على غير النحو الذي كنا نتوقعه؟ كم من الأوهام، أو فلنقل الآمال، التي استحوذت على أذهاننا ونفوسنا في مراحل مختلفة، ظننا أنها ممكنة التحقيق، لكن الحياة رسمت مسارات أخرى غير تلك التي أردناها أو توقعناها؟
ما مدى المسافة بين الحلم والواقع؟ في الأغلب فإن الحلم يكون ورديًا، رغم أن لدى بعض البشر أحلامًا شريرة، لكن الواقع ليس ورديًا دائمًا، فله قوانينه الصارمة التي لا نستطيع أن نتحكم فيها، وإن أمكننا ذلك ففي حدود، وإذا حدث وسارت أحلامنا ومجريات الواقع على إيقاع واحد مرة، فذلك لا يعني أن الأمر سيتكرر في كل مرة.
في كتابه "الممانعة" يحكي ارنستو ساباتو عن شي من هذا، حين يصف ذات صباح كانت الرياح الآتية فيه من الجنوب الشرقي قوية، فصار على ما يشبه اليقين من أن اليوم سيكون ماطرًا، ربما من واقع معرفة سابقة اكتسبها من حياته المديدة، كونه كتب هذا وهو في عمر متقدم، فحين تكون الرياح بهذه القوة وآتية من هذه الجهة بالذات فذاك نذير هطول المطر.
ولكن على حين غرة صفت صفحة السماء بسرعة مذهلة واختفت الغيوم الرمادية الكثيفة التي كانت تغطيها، وما كادت فترة الظهيرة تنتهي حتى لم يعد يحجب زرقة السماء المعتادة ولا حتى سحابة رصاصية واحدة.
يقول الكاتب إن ذلك حمله حملًا على التفكير في عدد الأخطاء التي ارتكبها في حياته، حين حسب أن الأمور ستسير في اتجاه معين، انطلاقًا من تقديراته الخاصة، لكنها خذلته فسارت في اتجاه آخر.
مهما بلغ دهاء المرء وبعد نظره ودقة حساباته للأمور لن يكون بمنجاة من أن يقع في الخطأ حين تخفى عن ناظريه بعض الأمور، أو أن لا يحسن إعطاءها حق قدرها، فيستخف بها، حين تصبح فيما بعد أمورًا فاصلة، لها ما لحجر الزاوية من أهمية، ولكنه مع ذلك الحجر الذي يتجاهله البناؤون على نحو ما جاء في الكتاب المقدس.
ما هو ثانوي في لحظة من اللحظات، أو يبدو لنا أنه ثانوي، تدفع به مجريات الأمور إلى أن يصبح في مركز الصدارة، فيغدو أساسيًا، فتسير الأحداث في مسالك لم تكن في الحسبان. 
الدراسات المعمقة المنطلقة من تحليل العوامل الظاهرة والكامنة المحركة للأحداث، تعين الأفراد والجماعات والأمم على توقع المسارات التالية، لكنها لن تحيط بالكثير بالتفاصيل التي تأتي كأعراض لذلك المسار، فلا تبقى مجرد هامش، وإنما تغدو متنًا يجر معه الهوامش.
قد يهمّكم أيضا..
featured

لكسر تمدد داعش لغزة

featured

استقرار الاوضاع يتطلب تقوية ودعم الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة

featured

"المسمار" الإسرائيلي الأحدث في "تابوت" الدولة الفلسطينية

featured

ما عندنا وما عندهم

featured

مخاطر جسيمة لانفلاتات نتنياهو

featured

سليم الديب – وطنية تقاس بعمق أمميتها

featured

هل حقا تحركت الخارطة السياسية يمينا؟ وما هو دورنا؟

featured

لا أحب العيش في الصحراء