تتجه التطورات السياسية في العراق، مما يرشح عن التقديرات المختلفة، الى استبعاد رئيس الحكومة المؤقت نوري المالكي، والذي تعرّض لانتقادات شديدة بسبب دعواته العلنية لاعادة التدخل الامريكي العسكري، ورفضه وقف سياسة الاقصاء والمحاصصات الطائفية، ومعارضته اقامة حكومة تحافظ على توازنات سياسية واجتماعية.
يجب التأكيد، وفي كل مرة، على أن هذا الوضع العراقي المتفجّر الذي تزداد فيه شهية ووحشية جماعات تكفيرية تتستر بالاسلام مع أنها معادية له وتمسّ بقيمه يوميا من خلال جرائمها – هو وضع تتحمل المسؤولية عن تفاقمه الولايات المتحدة وبريطانيا اولا، بسبب الحرب التي قادها زعماء هاتين الدولتين ضد العراق تحت شعارات وأقنعة أخلاقوية، مع أنها كانت حربًا امبريالية كلاسيكية هدفها مصالح النفط والمال والهيمنة.
لقد تزايدت من مختلف الاتجاهات الانتقادات والمعارضة للنهج الذي يمثله المالكي، حتى ان زعماء مذهبيين تقليديين مثل السيستاني بات يلمّح الى وجوب اقصائه. وكان النقد الأوضح، وبلغة وطنية وحدوية مسؤولة، ما أعلنه القائد الشعبي مقتدى الصدر الذي طرح معادلة واضحة: لا لظلم اية طائفة او مجموعة، لا لعودة التدخل الامريكي، ولا للتكفيريين ومشاريعهم ومموليهم. وهي المعادلة التي من شأنها الحفاظ على وحدة شعب واراضي العراق (وهي معادلة تلائم جميع الدول العربية المهددة بالتفتيت أيضًا!).
في غضون هذه التطورات يبدو ان واشنطن ايضًا قررت الاستغناء عن "زلمتها" المالكي. فهناك التزام وحيد لدى النظام الامريكي: الالتزام بمصالحه، فلا مبادئ ولا قيم ولا ما يحزنون! ويبدو أنه لم يعد لدى توابع وأذرع واشنطن، من تلك الانظمة النفطية العفنة المجرمة، أية إمكانية لإخفاء الخيوط التي تربطها بشكل مباشر وغير مباشر بعصابات الجهل والتجهيل والكفر والتكفير، تمويلا وتسليحًا. خصوصا ان عواصم الغرب الاوروبي بدأت تتحسس رقابها من هذا الخطر الذي لن يبقى محصورا في سوريا والعراق (ولبنان، حيث يرفع رأسه مؤخرًا)، بل سيطال – اضافة لممالك وامارات الخليج – مراكز اوروبا نفسها.. وهذه تقديرات خبرائهم هم!
توجد حاجة لدعم وحدة القوى السياسية في العراق، ولكن أي دور امريكي حصري سيكون معناه اعادة الاحتلال "من الشبّاك". فهناك فرق شاسع بين موقف دولي مشترك يوقف الكارثة العراقية، وبين تسليم المفاتيح حصريًا للمجرم الذي تزداد ألسنة النيران الآن بسبب جشعه ووحشيته وغبائه معًا.