عبيد الشّوكولاطة

single

عندما تذوب قطعة الشّوكولاطة السّمراء اللذيذة الطّعم في الفمّ، أو حينما نتناول الشّوكولاطة متعدّدة الألوان بمتعة في مخروط البوظة أو كأسها في مدينة رام الله أو مدينة شفاعمرو، أو حينما نهدي علبة جميلة منها للصّديقة أو للصّديق لا يخطر في البال هؤلاء الأطفال العبيد ذي السّيقان الهزيلة الجريحة الذين جنوا ثمار الكاكاو، المادّة الأولى لصناعة هذه الحلوى التي تدرّ على أصحابها 110 مليارد دولار سنويا والذين لا يعرفون طعمها.
كشف الفيلم التلفزيونيّ الوثائقيّ "اقتصاد الكاكاو" الذي بثّته قناة CNN في 27 شباط الجاري (2014) عن فضيحة مزرية نتنة، فقد اتّضح أنّ 800 ألف طفل يعملون في حقول الكاكاو الإفريقيّة بدون أجر وفي ظروف غير إنسانيّة. ففي دولة ساحل العاج الفقيرة يوجد 40% من كروم الكاكاو التي يجني ثمارها أطفال جائعون وحفاة وشبه عراة، أطفال تبرز ندوب وجراح على سيقانهم الهزيلة وأذرعهم التي مثل الخيطان.
الطّفل عبد الله عمره عشر سنوات وأصله من دولة بوركينا فاسو خطفه رجل غريب بعد أن ماتت أمّه وهو في السّابعة من عمره وباعه لمزارعي الكاكاو في ساحل العاج وهو واحد من اثني عشر طفلا يعيشون ويعملون وينامون في أحد حقول الكاكاو. لم يقبض عبد الله راتبا في حياته ولا يملك لباسا سوى الأسمال التي على جسده النّحيل ولا يأكل إلا القليل من الطّعام الذي يقدّمه له سيّده. ولم يذق عبد الله الشّوكولاطة في حياته. وأمّا الطفل ياكو ابن العاشرة فهو من بوركينا فاسو أيضا وباعته أمّه (!!!) لمزارعي الكاكاو في ساحل العاج وأمنيّته أن يدخل المدرسة ويتعلّم القراءة والكتابة مثل بقيّة الأطفال في العالم. وياكو لا يعرف طعم الشّوكولاطة.
ومزارعو الكاكاو الذين يستعبدون الأطفال في مزارعهم تستغلّهم الشّركات الرّأسماليّة الأمريكيّة والأوربيّة ولا تدفع لهم مقابل المنتوج سوى النّزر اليسير فشركة "كرجيل" الأمريكيّة تشتري 20% من كاكاو ساحل العاج بأسعار بخسة جدّا وقد اعترف 200 مزارع من عملائها أنّهم لم يذوقوا الشّوكولاطة في حياتهم.
يقول مثلنا الشّعبيّ: طبّاخ السّمّ يذوقه، ولكن هذا لا ينطبق على مزارعي ساحل العاج ولا على الأطفال العبيد.
في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تستعبد الشّركات الرّأسماليّة أطفالا صغارا، وفي العقد الثاني أيضا من هذا القرن هناك في الحوانيت شوكولاطة سويسريّة وإيطاليّة وأمريكيّة درّت وتدرّ الملياردات على خنازير الرّأسماليّة، وفي طعمها آهات هؤلاء الأطفال ودموعهم ودمهم وصدى بكائهم وأحلامهم.
أطفال يحلمون بقطعة شوكولاطة صغيرة !!
أطفال يحلمون بورقة وقلم !!
أطفال يحلمون بالحرّيّة وبالطّفولة !! .

قد يهمّكم أيضا..
featured

أحمد سعد يا "خيّا"

featured

سميح القاسم، عشتَ ورحلتَ منتصب القامة

featured

إضاءات على فكر "المثقف الشغيل" (1)

featured

نورا وحياة.. من يمنع الجريمة التالية؟

featured

ألبيان الاوروبي وإمكانات المتابعة في مدينة القدس

featured

بيرس ونتنياهو وثرثرة "الاستنكار"

featured

بيضة العلمانية أولاً أم دجاجة الديمقراطية؟