شيوعي أصيل ذكراه خالدة

single

الرفيق الراحل زياد موسى

 


بدا في غفوته الأبدية، كمن يودع رفاقه الحمر حين جاءوا للمشاركة في الوداع الأخير، لكن الرفيق زياد موسى ظهر في صمت على غير عادته مودعًا من غير كلام، كان في سكوته وصمته الأبدي شيء يرمز إلى التعبير عن شيء ما، كان قد عبّر لي عنه قبل أشهر قليلة من رحيله المفاجئ والسريع في رحلة اللاعودة. كانت أحاسيسه ونبرات صوته وكلماته وحديثه القليل والثقيل، لكن المعبر والحاسم والقاطع تروي الكثير عن ما يجول في صدره، من ان طريق الشيوعيين أولا ومن ثم الجبهة فيما بعد، هي الطريق الأسلم والأصح والأكثر مثابرة وحكمة ومبدئية، وهي الطريق المجرب للنضال ضد الامبريالية والصهيونية وحكام إسرائيل والرجعية العربية.
أسس رفيقنا طيب الذكر زياد موسى علاقات واسعة ومتشعبة من الأصدقاء والرفاق والمعارف من شيوعيين ووطنيين، جمعتهم سنوات كثيرة من العمل المشترك وأيام من العطاء والكفاح في صفوف النضال المشترك. كان رفيقنا الراحل زياد موسى ومنذ انخراطه في صفوف منظمة الأشبال الثورية، وفيما بعد في صفوف الشبيبة الشيوعية والحزب والجبهة، يتمتع بصفات ومزايا وأخلاق شيوعية عالية، فكان سلوكه وإنسانيته وتضحياته التي لا حدود لها تدل على مزايا شخصيته وعمق أحاسيسه الشيوعية والثورية وحبه لوطنه وبلده وشعبه، لهذا كان قياديًا نشط لسنوات كثيرة بين جمهور الشباب وفي قيادة الشبيبة الشيوعية في منطقة عكا وعلى الصعيد القطري.
ولهذا عاش أبو طارق زياد موسى وناضل في ظروف معيشية صعبة وقدم تضحيات كثيرة دفاعًا عن الحق ومن اجل تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية بين الناس ومن اجل انتصار قيم السلام والمساواة، ولذلك أسهم كثيرا وكرس وقتًا وجهدًا كبيرين في تثقيف وتوعية جمهور الشباب الذين هم شعلة النضال وعصب الكفاح اليومي لشعبي هذه البلاد في العيش المشترك وضرورة تقوية وتعزيز دور ومكانة الشبيبة الشيوعية بين جمهور الشباب عامة، ولهذا وهب نفسه لسنوات عديدة في العمل كمتفرغ بين جمهور الشباب بأجر متواضع بالكاد يسد حاجات بيته وأسرته المكونة من خمسة أنفار. وقد كافح الفقر والبؤس والحرمان وتعمق في مراحل النضال الشيوعي دفاعًا عن الفقراء والمظلومين والمحرومين وبالأساس من أهل مدينة عكا التي أحبها وأحبته. فعلى أسوارها العالية والراسخة وأزقتها الضيقة وحاراتها الفلسطينية، وفي المسافة ما بين سجن عكا التاريخي وساحة فرحي وعبود وخان العمدان وعشرات المواقع التاريخية التي عرفها زياد موسى وعرفته كمناضل شيوعي صلب وأممي آمن بحقوق البشر والشعوب وحريتها واستقلالها لانتزاعها من بين براثن الاستعمار والامبريالية.
كان زياد موسى طفلا صغيرًا عندما شُرد مع والديه واخوته من قرية برقة في محافظة جنين في سنوات النكبة والتشرد الى ان احتضنته مدينة عكا. واخذ يتنقل في حاراتها ومواقعها التاريخية وأزقتها الضيقة إلى ان وجد مبتغاه حين انضم إلى منظمة الأشبال الشيوعية واخذ يناضل إلى جانب رفاقه دفاعًا عن شعبه ومن اجل الحق والعدالة الإنسانية، إلى ان ارتقى في سلم النضال الحزبي والجماهيري ممثلا عن الشبيبة والحزب الشيوعي ولهذا انتخب لعضوية بلدية عكا ممثلا عن جبهة عكا الديمقراطية، وقد اشغل منصب سكرتير منطقة عكا للشبيبة الشيوعية لفترات متتالية، وكان عضوًا بارزًا منتصبًا نشيطًا في القيادة القطرية للشبيبة الشيوعية وكذلك في قيادة منطقة عكا للحزب والجبهة. ومثل الشبيبة والحزب في لجان الآباء المحلية والقطرية، وقد شارك في العديد من النشاطات والمؤتمرات الدولية، وفي اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي.
كان الرفيق زياد موسى إلى جانب شريكة حياته عائشة موسى عضوين نشيطين وشيوعيين بارزين في نشاط الحزب والشبيبة في منطقة عكا. فكان احدهما يكمل الآخر في خندق النضال الشيوعي ومن اجل مستقبل أفضل. ولهذا وبشكل مشترك نقول إنهما قدما خدمات وتضحيات كبيرة وأسسا حولهما علاقات شيوعية وصداقة حميمة مع أوسع فئات الناس من الشعب والكادحين.. ولهذا عاشا حياتهما المليئة بالمثل والأفكار والمبادئ والتضحيات الجمة على الصعيد العكي والمنطقي. فكانت أم طارق عائشة موسى قدوة في الكلام والنقاش والحوار، ولهذا اكتسبت خبرة ومكانة حزبية ووطنية فكانت من قيادة الحركة النسائية القطرية والمنطقية والمحلية وخاضت العديد من الإضرابات والتظاهرات الاحتجاجية دفاعًا عن حق المرأة وفي سبيل الحرية ومن اجل المستقبل الأفضل.
درس الرفيق الراحل الماركسية اللينينية في دورة حزبية لمدة سنتين في المعهد العالي للحزب الشيوعي السوفييتي في حينه، وتميز بقدرة كبيرة على قراءة الخارطة السياسية والفكرية في بلادنا والعالم، مما اكسبه قدرة فكرية مكنته من إدارة الحوار الفكري وتحليل الأمور من منظار سياسي وطبقي واستنهاض الصحيح من تطور الأحداث، وبالرغم من خروجه من صفوف الحزب في مراحل متقدمة، الا انه بقي شيوعيًا صلبًا في مواقفه من الأحداث الجارية والمستجدات الحاصلة على ساحة الصراع في الشرق الاوسط والعالم. ولم يفقد البوصلة ولم يقطع علاقاته بالفكر والممارسة. ولهذا فكانت ثقافته ومفاهيمه شيوعية تترك أثرها الايجابي على معارفه من عامة الناس وكل من حوله. قال لي في بداية الأزمة السورية ان موقف الحزب من الوضع في سورية، هو موقف سياسي وفكري وهو الموقف الصحيح، بان سورية تتعرض لمؤامرة امبريالية صهيونية تنفذ بأيدي أموال عربية وعن طريق الإسلام السياسي الذي تؤيده كل من قطر والسعودية مع أطراف إقليمية.
وستبقى عزيزي أبو طارق زياد موسى، رغم رحيلك عنا جسدًا خالدًا في نفوسنا واذهاننا، عرفناك انسانًا خلوقًا مخلصًا شيوعيًا أمميًا لا يلين ولا ينكسر – كرست حياتك لعائلتك وشعبك وحزبك الشيوعي الذي في داخله وفي صفوفه أمضيت أحلى وأجمل سنوات عمرك، مدافعًا عن قضايا وهموم الناس في عكا وغيرها.
كنت فقير الحال لكن غزير العطاء والتضحية امنت بالمثل والمبادئ الشيوعية السامية، إلى ان خطفك المرض اللعين والموت لكن انتصرت إرادتك فكنت الأقوى، غيبك المرض والموت عنا وعن أحلامك في رؤية ثمرة نضالك لكنك راسخ وباق في أذهاننا.. وستبقى ذكراك خالدة في نفوس رفاقك ومعارفك وأهل مدينتك.
فالسلام لك وعليك من كاتب هذه السطور ومن مجموعة أعضاء الهيئة القيادية للشبيبة الشيوعية حين كنت قائدًا وسكرتيرًا للمنطقة من وليد ومفيد وفواز ورفيق وسميرة ونمر وعزات وعشرات عشرات الرفاق والرفيقات من أماكن قريبة وبعيدة.
نم يا رفيقي نومتك الأبدية وأسند ظهرك إلى سور عكا الذي تنكسر على أعتابه كل مؤامرات الأعداء، فطالما السور والحزب باقيان سنواصل المسيرة وسنبلغ الهدف في يوم من الأيام.

 

كويكات/أبوسنان

قد يهمّكم أيضا..
featured

" طفح الكيل وبلغ السيل الزبى "

featured

(..أَفَلا تَذْكُرُون)

featured

إعلان صريح بتقسيم المنطقة

featured

عاش الدجاج وليقهر الشعب الفلسطيني!!

featured

متى يمكن استعادة أرض صودرت للمصلحة العامة؟

featured

بين الشعب والشغب

featured

في ذكرى رحيل حيدر عبد الشافي: يا ليتنا استمعنا له

featured

لغز هولاند أمام بصمة ساركوزي