حين يصرّح رئيسا مخابرات كل من فرنسا والولايات المتحدة بأن "العراق وسوريا لن تستعيدا أبدا حدودهما السابقة"، فهذا لا يعني أنهما يودان مشاركتنا توقعاتهما النظريّة بشأن المنطقة. لا. بل يعني أنهما يهددان بهذا. هذه رسالة الى كل من يهمه الأمر بأن هذا ما سيكون عليه الوضع: تقسيم!
فتصريحاتهما لم تأت كزلّة لسان، بل بكل تخطيط وترتيب، وأدليا بها، مكتوبة ربما، خلال مؤتمر حول الاستخبارات نظّمته جامعة جورج واشنطن في العاصمة الأميركية أمس الأول.
"السيّد" مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه أخبر سامعيه (والعالم كله!) أن سوريا والعراق مقسمتان "ولا عودة للوراء".. ويؤكد على كلامه "حضرة" مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "CIA" جون برينان، الذي جزم بأن "الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى وأشك بأن يعود مجددا".
توقيت هذا الموقف الذي يعني الإصرار على تقسيم وتفتيت سوريا والعراق (بالذات!)، يأتي مع بدء العملية العسكرية الروسية (المتممة للعملية السياسية السابقة والمستمرة) التي تستهدف الإرهاب فعلا وليس لأغراض الداعية، ومع بدء تحقيق انجازات حقيقية ضد عصابات مرتزقة التكفير.
المسؤولان الغربيان الاستعماريان يعبران عن رؤيتهما، خصوصا الفرنسي، لدور داعش المطلوب. فهو يقول بكل حقارة ووضوح: "نحن نرى أن سوريا مقسمة على الأرض، النظام لا يسيطر إلا على جزء صغير من البلد وهو ثلث مساحة سوريا التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية... الشمال يسيطر عليه الأكراد، ولدينا هذه المنطقة في الوسط التي يسيطر عليه تنظيم داعش... الأمر نفسه ينطبق على العراق. لا اعتقد أن هناك إمكانية للعودة إلى الوضع السابق" – انتهى الاقتباس.
ما معنى هذا؟ معناه أن المنطقة التي تحتلها عصابات داعش في الدولتين هي "مسألة نهائية".. فلا عودة للوراء! والسؤال: ماذا بشأن تحالف الغرب المزعوم ضده داعش؟ ماذا تفعل الطائرات؟ هل يوجد عاقل/ة يصدق أنهم غير قادرين له؟ أم غير راغبين؟! واضح..
"الشرق الأوسط المقبل سيكون حتما مختلفا عن الشرق الأوسط ما بعد الحرب العالمية الثانية"، يقول الفرنسي بكل غطرسة. إعلان صارخ واضح عن تقسيم دول المنطقة. أفلا تكفي كل هذه المعطيات الصريحة الصفيقة مَن يواصلون تنظيرات تزعم الديمقراطية من داخل الخندق الغربي-الرجعي، والصهيوني طبعا؟! هل يصدق أي عاقل أن انظمة هذا المحور تريد حرية وحقوقا ومصلحة ومستقبلا لأي شعب؟!
