التلفيق والكذب الصراح

single
يصف الإخوان المسلمون نهجهم في التفكير والسلوك بأنه وسطي. ويتباهى قادة الجماعة بوسطيتها، وينسون الوسطيّة إلى الدين الإسلامي ذاته، الدين الذي يقولون هم إنه الحلّ لمشاكل البشرية في كل زمان ومكان ولا حلّ سواه. وبالإتكاء على الدين يُسوِّغ هؤلاء فكرهم هم وسلوكهم ويتوخون اكتساب الشعبية.
المؤكد أن صفة الوسطية لا تنطبق على الدين الإسلامي، يستوي في هذا أن تُعدّ الوسطية سمة إيجابية أو سمة سلبية. فالإسلام أقفل مسيرة نشوء الأديان، وتعامل مع الأديان الأخرى العديدة بوصف أتباعها كفارًا، واستثنى من هؤلاء اليهودَ والنصارى وحدهم فمنحهم مرتبة أهل كتاب. الكفار أباح لهم الإسلام واحدًا من خيارين: أن يدخلوا فيه أو أن يواجهوا سيوف المسلمين. ولم يترك الإسلام الأمر ملتبسًا، فمن ابتغى غير الإسلام دينًا لن يُقبل منه. أما لأهل الكتاب فأباح الإسلام، إلى هذين الخيارين، خيارًا ثالثًا: أن يبقوا على دينهم إذا شاءوا ويأمنوا على أنفسهم، شريطة أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فأين هذا من الوسطية.
جماعة الإخوان المسلمين أضافت إلى ما حدده الدين ذاته تحديدًا من قبلها هي، ضيّقت به الدائرة. فالإسلام عند الجماعة هو ما يرى قادتها أنه الإسلام. أما ما يراه مسلمون آخرون فليس عند هذه الجماعة من الإسلام. لا يتعلق الأمر هنا برؤية الطوائف الإسلامية العديدة فقط، بل برؤية غير المنتمين إلى الجماعة من أبناء الطائفة التي تنتسب هي إليها، أيضًا.
وفي القراءة المتبصرة لفكر الجماعة الإخوانية في مصر وسلوكها يتضح أن الوسطية المدعّاة هي التسمية المحسنة لما لا تستطيع الجماعة التباهي به. أما التسمية المطابقة لهذا الفكر والسلوك فهي التلفيقية. والإخوان يمارسون التلفيق في كثير من طروحاتهم وأوجه سلوكهم، حتى وهم يعلمون أنهم بممارسته يخالفون صحيح الإسلام.
وفي التجربة الأخيرة التي مكنت الإخوان من القفز إلى قمة السلطة في مصر، برزت ظاهرة التلفيق الإخواني في أكثف تجلياتها. فحين تحركت قوى عصرية ديمقراطية ضد حكم الرئيس مبارك، ساوم الإخوان سادة الحكم وطلبوا إضفاء الشرعية القانونية على جماعتهم مقابل إحجامهم عن الانضمام إلى الحراك الناشط ضده. ولأن مطلوب الجماعة العتيق هذا لم يلق استجابة كافية، فقد ظهر عدد من الإخوان، عدد قليل في واقع الأمر، في ميادين الحراك الشعبي وما لأوا المبادرين إليه، دون أن يكف قادة الجماعة عن مساومة الحكم. ولم تشترك الجماعة بثقلها كلّه في الحراك الشعبي إلا بعد أن جهرت الإدارة الأميركية بتأييدها لتنحية مبارك. عندها، مالأت الجماعة المجلس العسكري الأعلى، وأتمت التفاهمات التي كانت قد شرعت في إنشائها مع الإدارة الأميركية، وقبلت، في سياق هذه التفاهمات، أن تنحّي شعارها الإسلام هو الحل وتنضم إلى الداعين للدولة المدنية، مقابل أن يُسهل لها المجلس العسكري والإدارة الأميركية فرصة المشاركة في الحكم. فعلت الجماعة هذا فيما هي تضمر تجاوز ما وافقت عليه إن واتتها الفرص.
إذًا، هو بثّ على جانب، وبث مغاير على جانب آخر، وبث مغاير للإثنين على كل جانب، وإضمار ما هو مختلف عن كل بث. فما هو التلفيق إن لم يكن هو هذا.
المثل الأشد سفورًا قدمه سلوك الرئيس الإخواني محمد مرسي، خصوصًا في  جولة زياراته الأخيرة. ففي هذه الجولة، ذهب الرئيس مرسي إلى الصين حيث ثبّت مشاريع اتفاقات اقتصادية كانت الحكومات التي سبقت حكومته قد تفاوضت عليها. وأذن الرئيس لجوقة إعلامه بأن تبشر المواطنين بأنه جلب من الصين ستة مليارات دولار، في حين أن ما تم فعلا كان اتفاقات تبادل وقروض واستثمارات ستعود فوائدها الفعلية على جوقة رجال الأعمال الذين اصطحب الرئيس عشرات منهم في هذه الزيارة. وفي إيران، فعل الرئيس ما لم يكن حتى لمبعوث أميركي رسمي أن يفعله، وأمعن في استفزاز الإيرانيين، ولم يتورع حتى عن استخدام الغمز الطائفي الرخيص ضدهم، وحكى عن سورية الحكي الذي يطابق الحكي الأميركي. وفي سيناء، دخلت، بموافقة إسرائيل، وحدات عسكرية مصرية لتنفيذ مهمتين طلبتهما الإدارة الأميركية: تحرير إسرائيل من وجع الرأس الذي يسببه لها الفلتان الأمني في سيناء، وتحريرها من وجع الرأس الأشد الذي يسببه وجود الأنفاق الواصلة بين غزة ومصر. فعل الرئيس الإخواني هذا كله، وتلقى عليه "برافو" أميركية مجلجلة، وظل يدعي، مع ذلك، أنه تحدى كلا من أميركا وإسرائيل. وجند الرئيس جوقة كبيرة للتطبيل له ولجماعته على هذا الأساس.
إننا إزاء عملية تلفيق كبيرة يباشرها الإخوان المسلمون في مصر. قوام هذه العملية، التي هي خطيرة أيضًا، هو تمرير ما تريده الولايات المتحدة لذاتها ولإسرائيل، ما تريده من مصر ومن غيرها، مع إخراج الممارسة في نحو تبدو معه العملية كأنها تحدٍ للإدارة الأميركية ولإسرائيل. والإخوان لا يفعلون هذا دون مقابل. فمقابل خدماتهم للسياسة الأميركية واصطفافهم مع أتباع أميركا ضد مناوئيها، يحظى الإخوان بدعم الإدارة الأميركية وكل من تمون هذه الإدارة عليه في مصر وفي العالم لوجود الإخوان في الحكم واستمرار هذا الوجود. وليس بعيدًا عن طبيعة ناس الجماعة أن يتصوروا، وهم يفعلون هذا، أنهم يفعلونه ليمكّنوا سيطرتهم على الحكم فيما هم يضمرون أن يستخدموا هذه السيطرة لتحقيق ما وعدوا أنصارهم بتحقيقه: إقامة الحكم الإسلامي في أم الدنيا ليمتد فيشمل الدنيا كلّها.
التلفيق أخطر من الكذب الصراح. لكن التلفيق، مثله مثل الكذب، قد ينطلي على بعض الناس لبعض الوقت ولا ينطلي على الجميع كل الوقت. وإذا كان في هذه الحقيقة ما هو إيجابي، فإن فيها ما ينذر بخطر مداهم: أن يلجأ حكم الجماعة إلى القمع كلما انكشفت تلفيقاته ونقصت شعبيته ويشتد فيه بمضي الوقت. لا يشار هنا إلى نذر متوقعة توقعًا، بل إلى نذر ماثلة للعيان.
قد يهمّكم أيضا..
featured

دعوات حمل السلاح الاجرامية

featured

ما لا يعلمه العديد من المدينين في البلاد!

featured

مصلحة روسيا في تأييد العقوبات على إيران

featured

ارهاب يستهدف وجودنا

featured

فاقد الشيء لا يعطيه

featured

سوريا ليست بحاجة للحَمَديْن!

featured

ذئب في رداء الحمل