إحتلال و"نوايا حسنة"؟!

single

المفارقات التي يخلقها واقع الإحتلال الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني لا تنتهي. بعضها يتمثّل بخطوات لا يمكن رفضها، مما يتطلّب اعتماد الحذر والحكمة في التعاطي معها. فقد قررت حكومة إسرائيل مطلع الشهر الجاري إطلاق سراح نحو 250 أسيرًا فلسطينيًا بالتزامن مع عيد الأضحى. وفسّرت الحكومة خطوتها للرأي العام على أنها من باب "إبداء حُسن النوايا" نحو السلطة الفلسطينية.

 

إستباقًا لأية بلبلة يجب القول إن الأمر الأكيد هو أن تحرير أي أسير، مهما كانت الدوافع، هو الأمر المنتظر الطبيعي المرحّب به، والذي يدفع المرء لمشاركة الأسير وذويه بصدق فرحة تحرّره من سجون الإحتلال وقمعها. أما ما يستحق وقفة متمعّنة فهو شكل استخدام الأسرى وقضيتهم من قبل سلطات الإحتلال الاسرائيلي، والتعاطي الفلسطيني الرسمي معه.
معروفٌ (وممجوجٌ) الزعم الإسرائيلي بشأن احتجاز الأسرى. فهم "أمنيون" متّهمون بـ "الإرهاب" وبالتالي فسجنهم مبرّر، وفقًا لهذا الزعم. ويكفي إلقاء نظرة خاطفة على لوائح الإتهام، العشوائية بمعظمها، المقدّمة ضد الأسرى ليتبيّن أن النيابة العسكرية تعمل بمنهجيّة على صياغة لوائح اتهام يلفّها التهويل، وبالتالي تصوير كل أسير على أنه خطرٌ يجب صدّه واحتجازه، "لاستثماره" كورقة ضغط وابتزاز في الوقت المناسب للاحتلال.
ولكن، حين تتخذ حكومة اسرائيل قرارًا بتحرير عدد من الأسرى من باب "النوايا الحسنة"، يصحّ التساؤل عن مصير ومضمون تلك المزاعم الأمنية. فها هي تغيب مرّة واحدة، وتحلّ محلّها اعتبارات تقع في باب السياسة. لأن احتجاز الأسرى أو اطلاق سراحهم يتم أصلا وفقًا لمصالح سياسية. ثم إنه ما معنى "النوايا الحسنة"؟ ما علاقة هذا الاعتبار بالبنود الأمنية المفصّلة التي تفيض بها لوائح الاتهام المقدّمة بحق كل أسير وأسير؟ هذه النوايا هي الإسم الحركي للمصلحة السياسية. وهي مصلحة اسرائيلية مركّبة، في ظاهرها الظهور بمظهر المستعد للتقدّم بخطوةٍ نحو الشعب الفلسطيني، ولتبقى النوايا الحقيقية مخبّأة في العمق.
فحكومة اسرائيل اهتمّت بالإعلان بُعيد جلستها الأخيرة بأن هؤلاء الأسرى المنوي تحريرهم هم "براغماتيون". أي أنهم من طرف فلسطيني محدّد. وبهذا فهي تلعب على وتر الإنقسام الفلسطيني الداخلي في سبيل تعميقه أو جعله أكثر حدّة على الأقلّ. ولا حاجة أصلا لبذل كثير من الجُهد لإثبات حقيقة "النوايا" الاسرائيلية، فيكفي رؤية مدى "حُسن النوايا" خلف مشروع الإحتلال الذي تجاز 4 عقود؛ ويكفي الذاكرة العودة الى الأيام الأخيرة التي اقترف فيها المستوطنون جرائم وحشية بحق فلسطينيين في الخليل دون أن تسعفهم تلك النوايا المزعومة؛ ويكفي تحويل الأنظار الى غزة التي تتعرّض لحصار وحشي مستمر يشمل حتى لقمة العيش والدواء والوقود للتيقّن من وحشيّة النوايا.
بطبيعة الحال فالسؤال هو: ما العمل في هذه الحالة؟ فمن غير المعقول معارضة اطلاق سراح أيّ أسير لأن للاحتلال مآرب في ذلك. ولكن ما يجب التعاطي معه هو هذا الشّرَك الذي ينصبه جهاز الاحتلال - وهو شرك سياسي من الدرجة الأولى. ربما أن الأمر الأول المطلوب هو وضع الأمور في نصابها الصحيح، عبر قيام السلطة الفلسطينية بالتعاطي الحذر مع هكذا خطوات وإعلان موقفها للرأي العام بما لا يقبل التأويل بأنها لا "تشتري" قصة "النوايا الحسنة" هذه. فلا يمكن السماح باقتطاع هذه الخطوة الاسرائيلية التجميلية من عملية الاحتلال بمجملها، والتي لا تشمل سوى موبقات وجرائم بشعة ضد الإنسانية. هنا يجب القول إنه آن الأوان لإحداث تغيير عميق في الأداء الفلسطيني الرسميّ، وهو الذي سمح للاحتلال باقتناص مساحات تحرّك واسعة، بفعل قبول معادلة استمرار التفاوض على التفاصيل و "خطط الأدراج" (الإفتراضية) في ظلّ استمرار بل تشديد سياسات الإحتلال الخطيرة الكبرى، كتعزيز الإستيطان وفرض جدار الضمّ وإحكام الحصار، وبالتالي فرض وقائع معيقة لأية تسوية على الأرض.

 

إن موافقة السلطة الفلسطينية، أو أية جهة فلسطينية، ولو ضمنيًا أو من خلال الصمت، على التعريف الذي يُطلقه الاحتلال الإسرائيلي على خطوته هذه، سيكون وقوعًا في الشّرَك. وسواء أكان الأمر يجري في فترة العيد أو خارجها، فمن المحظور، سياسيًا وأخلاقيًا، السماح لجهاز الاحتلال الاسرائيلي (والحكومة التي تديره) بالتملّص من مسؤوليته عن الجرائم المستمرّة بحق الشعب الفلسطيني عبر هذه الخطوة المخادعة أو تلك، وإن كانت في هذه الحالة تنطوي على مضمونٍ يتمثّل بتحرير مناضلين. فالنضال والعمل لتحرير جميع الأسرى هو في عِداد الأولويات الوطنية والسياسية الفلسطينية، وهو ما يحتّم قطع الطريق على سلطات اسرائيل لصدّ محاولة استغلال قضيتهم وحريتهم لمآربها السياسية. أولا، لأن عدم فضح حقيقة النوايا الإسرائيلية عبر الاكتفاء بالكلام الدبلوماسي سيصبّ في نقيض المصلحة الوطنية الفلسطينية. وثانيًا، لأنه يجب رفض تحويل أسرى الحرية الى أدوات بأيدي قامعيهم، ومنع تجريدهم من كيانهم الإنساني بوصفهم مناضلين يجب أن يكونوا "تحت الشمس" وليس أرقامًا في عتمة سجون القمع.

قد يهمّكم أيضا..
featured

خبير كندي: هكذا تمهدّ واشنطن لغزو دمشق..

featured

عارهم في هذا الوطن الذبيح

featured

سامر عيساوي بطل الحريّة

featured

ظاهرة الهجرة بمسؤولية أوروبية

featured

حائك السجاد يثبت مهارته وجدارته..!

featured

آن الآوان للاصغاء لصوت الجبهة الواضح والصادح

featured

أهداف بوش بعبارات أوباما