البحر عند أهلنا في جسر الزرقاء
وحدهم جيران البحر يعرفون معنى أن يسكنك البحر، يعرفون انغماسك فيه بكل ما بك فتغدو عميق الذّات والاحساس، سيعلمك الغوص فيك، بكل ما في داخلك من مسرات وآلام وقهر، سيغدو نسيمه طبيبك، بلسما يُداوي جرحك، وعسلا يُطبّبُ من ألَمَّ بفؤاده جوى.
سترثُ حبه أبًا عن جد وهو لا يرضى الا أن تكون مُتيم الفؤاد، فلا أنت قادر على الاقتراب حدّ الغرق ولا أنت قادر على الابتعاد، فهو دينك وديدنك، شريعتك التي تحكم هواك، فأصبحت أنت وأسماكه سيّان، فهو حيزك الذي احتواك وحضن أمّ تعود اليه مهما أخذك البعد.
سيخلو عمرك منه ان ابتعدت، وتغدو حياتك بلا لهفة وبلا شغف، ستبحث عنه في داخلك، ستجده في لا وعيك قد صادرك، احتوى ما في صدرك، فغدوت كقيس ليلى عالقًا ما بينك وبينه، ستبقى عالقًا مدى الحياة .
للبحر أسرارٌ يخفيها في باطنه، هي أسرارنا، حكايانا ..ومقبرة قصص الغابرين، أحداثٌ قد تداولتها الأيام بين الناس واستثناها التاريخ، ما عاد مهمًا، البحر يوثقها، يحكيها لنا،لأبنائه ولأولادنا ، يعلمنا أن نغرس تاريخنا في الأرض فينمو صفصافة قويّة الجذور، ممتدة الأطراف، تعبق القوة نسيمًا يتحدى وهن الأيام ووهننا، يعلمنا واياهم شموخ الروح وعزة تحكيها ملامح سمراء تصيح فيك ان تعدّيتَ: "كنتَ من كنتَ فهذا البحر لي، وتلك مرساتي، وقاربي القديم الذي ورثته عن أبي قد شقّ عباب الموج مرارًا صامدًا أمامك، البحر أبي القديم قِدَمَ التاريخ، بل هو تاريخي، وثيقتي الكبرى التي تحكي سيرتي ومولدي ومماتي، أصلي هو فكيف لي أن أغادره رغم الدسائس والمكائد والتنكيل؟".
أن تكون جار البحر معناه أن تمتلك مده وجزره، فتغدو مزاجيًا تُثمِلك السكينة تارةً ويكون دمك فوّارًا حارًا وتغدو عصبي المزاج تارةً أُخرى كحال أغلب الشاطئيين، لا لشيء سوى لأنك ابن البحر تملّكتَ طباعه فغدوتَ منه أقرب.
وحدهم جيران البحر يسمعون غضبه ومونولوجاته في ليلةٍ شتائيّةٍ عاصفة، وحده قادر على اخافتهم في ليلة يحاور فيها أمّه الطبيعة فيملأ هديره الفضاء وتعبق رائحته الأجواء، فما أن يهدأ حتى تجد خيراته قد ملأت شباك الصيادين وكأنّها رسالة اعتذار.
هم يتخذون الرمل حذاء يُشعرهم باجسادهم المنسيّة تحت وطأة الرّكض وراء لقمة العيش التي استعبدتهم، لكن أزرق الحريّة يسري في عروقهم، اوكسجين أرواحهم الذي يربطهم بمتاع أهل الأرض رغم ما يعانونه، نوارس الأرض هم، فَمَن بعد ذلك كله سيرضى أن يجد للبحر بديلًا؟!
علّمهم ملحه أن يتخذوا جلدًا سميكًا لا يهاب الأهوال والنّوائب مهما بلغت ملوحتها كصُفيرة صامدة رغم عجز من لا يمتلك بيده الحيلة سوى البقاء ها هنا، وافتراش أمواجه، والبقاء رغم كل صور الحصار.
أن تكون جاره معناه أن تلتحف الدّهشة في كلِّ مرة وقت الأصيل، فيلهج لسانك بالتسبيح عند سقوط الشمس فيه والتحامهما معًا ليرويا حكايةً ما بين الشفّق والأُفق كانت لم تحك بعد.
(جسر الزرقاء)
