قفزت صورة عادل إمام وهو يقول بنبرته الساخرة في مسرحية شاهد ما شفش حاجة – متعودة دايمًا – حين رأيت المصافحة التاريخية بين وزير الأمن الإسرائيلي موشه يعلون والأمير السعودي تركي الفيصل الذي كان سابقًا قائدًا للمخابرات السعودية، عدا عن شخصيته التي تنتمي إلى العائلة المالكة في السعودية، العائلة التي تلف نفسها في بساط الوطنية والمصلحة السنية وترسم لنفسها الدور الرئيسي في علم الأنظمة الحاكمة، بعد ان وضعت تحت البساط خزائن أموالها وسلاحها وبترولها وزحفها على أربع تجاه العلم الأمريكي.
الابتسامة المفروشة على وجه يعلون وهو يصافح الأمير تركي، تُظهر مدى العلاقة الحميمة بين جدران الغرف المغلقة التي تكلم عنها يعلون، حيث أكد أن اللقاءات مع المسؤولين العرب تتم في الغرف المغلقة، ومع ثقافتنا المترسخة في اللاوعي نتيجة تربيتنا، نعرف أن الغرف المغلقة تحمل الأسرار والممنوعات، تحمل الخطيئة والرذيلة والفساد، فكيف إذا اجتمع المسؤولون الإسرائيليون مع مسؤولين عرب، بالطبع ستكون شياطين التنازل والتآمر بينهما تشرب الكؤوس انتصارًا، ومن المضحك أن الإعلام الإسرائيلي يتمتع وهو يهدم الغرف المغلقة ويحولها إلى ساحات تُسلط عليها الأضواء، ليبرهن للعالم أنه الصديق الدائم للأنظمة العربية، حيث يقوم الإعلام الإسرائيلي بالكشف عن اللقاءات الغرامية مع هذه الأنظمة ويكشف بالغمز واللمز عن كذبها وخداع شعوبها، بينما إعلام الأنظمة العربية يتجاهل ولا يهتم بالتوضيح والكشف عن الأحاديث التي دارت في الغرف السرية. فالشعب مثل الزوج المخدوع آخر من يعلم، وينتظر صفحات التاريخ، التي غالبًا ما يكتبه الذين حول السلطان والملك والرئيس.
قبل فترة التقطت ملكة جمال إسرائيل صورة مع ملكة جمال لبنان، وعلى ذمة ملكة جمال لبنان أنها فوجئت بالإسرائيلية تلتقط الصورة معها، وقامت قيامة الإعلام اللبناني والعربي، وشتموا ولعنوا الملكة اللبنانية، عدا عن الفنانين والفنانات الذي يسقطون بين أنياب وسائل الإعلام إذا التقطت لهم صورة مع إسرائيلي معجبًا أو عابرًا في احد الأماكن، وتأخذ وسائل الإعلام تردح وتشتم ذلك الفنان أو الفنانة، بينما تمر صورة الأمير تركي وغيره من القادة والمسؤولين مر الكرام.
السلام المرفرف على الجسور الواصلة بين إسرائيل والسعودية لا ينقصه إلا "يعلون" و"تركي"، حتى تفتح الغرف المغلقة. الصورة كما رأيناها وحدَّقنا بها وفسَّرنا الملامح جميعها تشير إلى عمق العلاقة، فإذا قالوا قطرة الماء تلخص البحر، فابتسامة الأمير تركي مع يعلون تلخص المحيط الذي تسبح به السعودية، تلخص غرفًا وطاولات وبيعًا وشراء، الحزن على الشهداء وعلى الدم المراق، وعلى الدموع والأحلام.
*شجاعة رلى وحلم الحاجة فاطمة*
لم يعد المجتمع الإسرائيلي يكتب بالحبر الأحمر فقط، منذرًا بأن هناك مرحلة ضبابية قادمة تجاه العرب، بل أعلنوها صراحة أن العربي في نظرهم مثل سيخ شاورما وعليهم أن يسلخوا يوميًا قطعًا من لحم وجوده حتى يبقى مصلوبًا على سيخ الفراغ.
يوميًا هناك الصراع بيننا وبين من يتجاهلون وجودنا، يريدون سرقة كل شيء من التاريخ إلى اللباس إلى الطعام إلى الأراضي إلى الميزانيات إلى الوظائف.. الخ، يراهنون على بقاء العربي عاريًا، لا يملك شيئًا، فهو المولود البندوق الذي ليس لك أهل وتاريخ وقيمة وأهمية، والدولة قد تفضلت عليه حين تسمح له بالعمل والتنقل، وكلما "دق الكوز بالجرة" نجد الحملات العنيفة ضد العربي الذي يعض اليد التي تمتد له، ولا يستحق شيئًا، كأن هذه السياسة قد تحولت إلى عمود الخيمة التي تظلل الشعب الإسرائيلي، الذي أصيب بمرض اللامبالاة والتجاهل تجاه المواطنين العرب لدرجة المطاردة والملاحقة على أدق التفاصيل.
لقد اختفت تلك الشريحة التي تعرف أن هناك اختراقًا فاضحًا للديمقراطية المزيفة، وأن هناك من يقوم بدور المقص الذي يقص الأصابع، وان صورًا عديدة مورست ضدهم أيام النازية تخرج من ألبومات التاريخ لتلقي بظلالها علينا.
لا يكون الحديث عن الاحتلال وإقامة المستوطنات والقتل اليومي، بل هنا، حين تقف كمواطن داخل مؤسسة أكاديمية، عليها أن ترتقي بالفكر والنهج التعليمي، نجدها تريد حرمان الطالب من لغته، محاصرته بالكلمات، واللغة ليست وسيلة كلام بل هي وسيلة وجود، والحصار يريد القول انك ريشة في الهواء، ليس لك أي قيمة، ونحن نحرك الريشة.
في جامعة تل أبيب التي تعتبر من أفضل الجامعات في العالم حسب السلالم العلمية العالمية التي تخرج كل فترة وفترة، تدرج أسماء الجامعات التي لها القيمة العلمية في العالم.
في جامعة تل أبيب تقف الموظفة العربية الوحيدة في مركز الاستعلامات الهاتفية " رلى حاج يحيى" أمام امتحان صعب، فقد سمعوها تتكلم اللغة العربية مع الطلاب العرب، لذلك كان الرفض والشجب عليها أن لا تتكلم اللغة العربية مع الطلاب العرب، عليها أن تتكلم اللغة العبرية.
أمام صلف المسؤولين في الجامعة الذين أصروا على التكلم باللغة العبرية مع الطلاب العرب قدمت استقالتها، نعرف أن اللغة العبرية هي السائدة في الجامعات وان تعليم اللغة العربية يكون في اللغة العبرية، ونعرف أن مئات الأماكن التي يعمل فيها عرب يمنعون التكلم باللغة العربية، لكن حين ندق أبواب الجامعات، ويتحول السلك الأكاديمي إلى سلك مكهرب يلفونه حول العربي لكي يضيء متى يريدون، حتى يبقى أسير التجاهل والشعور انه في رتبة أدنى وأقل، وان لغته لغة ملعونة أمام هيمنة اللغة العبرية.
وما دامت الموظفة العربية "رلى حاج يحيى" كشفت عن صورة المرأة الشجاعة التي رفضت الخضوع لمنطق التجاهل في جامعة تل أبيب وكشفت عن صورة موجودة في أروقة الجامعة، التي توقعنا أن ينتفض المسؤولين فيها على هذا التصرف اللاأخلاقي واللاعلمي، يندى له جبين العلم والشهادات التي تمنحها الجامعة لطلابها، لأن اللغة العربية لغة معترف بها في الدولة، ولغة لها تاريخها وعمقها وجذورها.
ومن باب الفخر بمواقف المرأة الفلسطينية ليس سياسيًا واجتماعيًا فقط، في غزة تخرجت الحاجة فاطمة من جامعة "الأقصى" حديثًا، فقد درست علوم الحديث وتخرجت بدرجة بكالوريس. الحاجة فاطمة تبلغ من العمر 82 عامًا، تحدت الصعاب والعمر وأكملت تعليمها، صورها وهي تتسلم الشهادة وترتدي لباس التخرج الجامعي، وثيقة ترفع من قيمة الإصرار الفلسطيني.
