الاستيطان.. هو ردّ نتنياهو الحقيقي!
*كان من الواضح لكل مراقب سياسي أو مهتم بالقضية الفلسطينية أن رد نتنياهو منذ توجيه رسالة محمود عباس لن يحمل أي جديد ولن يكون لرسالة الرئيس الفلسطيني أي مفعول سحري مفاجئ سيجري تحول حقيقي لدى نتنياهو أو قد يقوده الى تغيير في مواقفه*
قد يكون أكبر مؤشر على عمق الأزمة التي تنتاب المسار التفاوضي السياسي التي تسود منذ سنوات في القضية الفلسطينية وتعثر امكانيات انطلاقتها المجددة، هو الرسالتين التي جرى تبادلهما مؤخرا بين محمود عباس، الرئيس الفلسطيني ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية وبنيامين نتنياهو رئيس حكومة اليمين الاسرائيلية.
ان انسداد الأفق السياسي واضح منذ ان قامت حكومة اليمين الاسرائيلية، والتعنّت الحكومي بعدم الالتزام بأي من الثوابت الاساسية التي لم يعد بوسع المفاوض الفلسطيني تجاوز عتبة المفاوضات دون ضمانها أدى وسيؤدي في المستقبل الى استمرار حالة الجمود السياسي ولكن ليس بالضرورة الى جمود في التحولات الحاصلة على ارض الواقع فلسطينيا واسرائيليا. ويمكن اعتبار تبادل الرسائل تسجيلا فقط للمواقف المعلنة ومحاولة فلسطينية جديدة للتأكيد على ان حكومة الاحتلال والتوسع الاسرائيلية هي المسؤولة المباشرة عن منع التقدم في المفاوضات أو بالاحرى العودة اصلا الى طاولة المفاوضات.
اذ ما معنى ان يتحول الطرفان من مراحل سابقة كانت تشمل اجتماعات الوفود الثنائية برعاية امريكية أو امريكية – اوروبية حول طاولة المفاوضات ، الى مرحلة الاجتماعات الاستكشافية التي يصر الجانب الفلسطيني انه لم تجر فيها أي مفاوضات أو حوارات وانما اقتصرت على تبادل المواقف والاعتبارات لشروط تحديث عملية المفاوضات.
تبادل الرسائل يأتي مرحلة جديدة تقل عن سابقاتها في مستوى الاشتباك التفاوضي، ان جاز التعبير، للتحول الى رسالة يعلن فيه الجانب الفلسطيني استعداده للعودة الى المفاوضات اذا ما توفرت الشروط الاولية الاساسية وهي وقف الاستيطان والاعتراف بحدود 67 واطلاق سراح الاسرى ليأتي الرد الاسرائيلي متلكئا ولكن واضحا يرفض فيه نتنياهو الشروط الثلاثة الاساسية ويقرر انه لن يدخل أي مفاوضات مع ما أسماه "شروط مسبقة". ازاء رد من هذا القبيل لم يملك الجانب الفلسطيني، في هذه الحالة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، سوى أن يعلن أن الرسالة لم تحمل أي جديد ولم تتطرق الى الشروط الفلسطينية وهي لا تستحق الرد.
كان من الواضح لكل مراقب سياسي أو مهتم بالقضية الفلسطينية أن رد نتنياهو منذ توجيه رسالة محمود عباس لن يحمل أي جديد ولن يكون لرسالة الرئيس الفلسطيني أي مفعول سحري مفاجئ سيجري تحول حقيقي لدى نتنياهو أو قد يقوده الى تغيير في مواقفه. ولا بد أن القيادة الفلسطينية كانت على علم ودراية بهذه الحقيقة، ومتأكدة من طبيعة الرد الاسرائيلي للرسالة الفلسطينية ، فالرد الاسرائيلي وتحديدا رد حكومة نتنياهو يتلقاه الفلسطينيون يوميا في القرارات الحكومية التي تدعم الاستيطان وتخصص له الميزانيات الجديدة، في اوامر الهدم والاخلاء التي تصدرها الحكومة وأذرعها ضد البيوت الفلسطينية في المناطق المحتلة وخاصة القدس وفي عمليات الاستيلاء والنهب المنظم للبيوت والاراضي الفلسطينية . كما أن التجربة السابقة مع حكومة نتنياهو اثبتت انه حتى حين أعلن قرار بتجميد الاستيطان لاشهر من أجل احياء المفاوضات مع الفلسطينيين لم تقم بذلك فعلا وانما سرعت الاستيطان على الارض . فما هو الهدف الحقيقي من وراء هذه الرسالة الفلسطينية؟
- هرب اسرائيلي من التفاوض
ونحن حين نسأل مثل هذا السؤال ننطلق من اننا فعلا نأمل أن هناك خطة فلسطينية مرسومة وهدفا واضحا يرجى تحقيقه من هذه الرسالة التي تم ارسالها ابعد من تسجيل المواقف وفضح الموقف الاسرائيلي الرافض لأي تقدم نحو حل سلمي لانهاء الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية المحتلة نحو اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الـ67 وعاصمتها القدس الشرقية.
اذ لا يعقل ان يكون الهدف الفلسطيني يرمي فقط الى فضح الموقف الاسرائيلي المفضوح أصلا، أو أن يكون هدف الرسالة اضاعة الوقت في الوقت الضائع اصلا، بمعنى أن الواقع السياسي الدولي والفلسطيني والاسرائيلي يرسم صورة تدفع في اتجاه التسويف، الانتخابات في الولايات المتحدة الامريكية والوعي بأن الساسة الامريكان منشغلون بها وأي تحرك في القضية الفلسطينية غير مضمون العوائد الانتخابية بالنسبة لهم ولذا وجب الانتظار الى ما بعد تشرين الثاني من هذا العام لحين انتهاء الانتخابات الامريكية حتى يتمكن سكان البيت الابيض من التحرك على المستوى الدولي . في اوروبا من ناحية أخرى غارقون في الازمة الاقتصادية التي تنهك كاهل الاتحاد الاوروبي وتشغله بأموره الداخلية الى جانب موسم الانتخابات الذي اثمر في العديد من الدول الاوروبية عن تغيير في الحكومات مما يعني تأخيرا أضافيا في التحركات الدبلوماسية .
الحكومة الاسرائيلية كانت قد بدأت تشهد تصدعات في الشهر الماضي على خلفية النقاش حول "قانون طال"، والموقف من بعض قضايا الاستيطان مثل البيت في الخليل ومستوطنة ميغرون وحي اولباناه الاستيطاني والنزاع الداخلي الحكومي حول الموضوع، طبعا بالاضافة الى الاوضاع الاقتصادية الاجتماعية مما كان يحتم أن يسعى نتنياهو الى درء أي خلاف جديد يضاف الى سلة خلافات ممكنة داخل الائتلاف الحكومي ويجعله يهرب مسرعا بعيدا عن أي تحرك سياسي مع الجانب الفلسطيني.
في الجانب الفلسطيني المصالحة تراوح مكانها ورغم الاستبشار خيرا بتوكيل محمود عباس، الرئيس الفلسطيني، قبل أشهر، بتشكيل حكومة وحدة أعلن أمس عن تشكيل حكومة فلسطينية جديدة بتشكيلة جديدة وبرئاسة سلام فياض، الامر الذي يعني انه كما يبدو امكانيات التقدم نحو المصالحة ونحو حكومة الوحدة تضاءلت مما يحتم قيام حكومة جديدة.
قد تكون الرسالة الفلسطينية تهدف لواحد من الهدفين اللذين ذكرنا: فضح الموقف الاسرائيلي أو اللعب في الوقت الضائع لافتعال تحرك على السطح ليس له مردود ولكن من المؤكد انه أيا كان الهدف لا يمكن الوقوف عند حده ويحتم رؤيا بعيدة المدى وخطوات لاحقة.
عندما بدأتْ التحضيرات لمبادرة أيلول قلنا أن افضل ما تقدمه هذه المبادرة هو انطلاقة القيادة الفلسطينية في مبادرة تأخذ زمام الامور والقرار بيدها، وتخرج بالقضية الفلسطينية من تحت العباءة الامريكية، واعتبرنا أن هذا النهج الذي أعلنت عنه القيادة الفلسطينية أعاد الامل لقطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني في القدرة على التحرك واسترجاع القابلية على النضال على المستوى الدبلوماسي الدولي وعلى مستوى المقاومة الشعبية السلمية للاحتلال.
ان مبادرة الاسرى الى اعلان الاضراب البطولي عن الطعام شكل واحدا من أركان تعزيز المقاومة الشعبية وحرك الشارع الفلسطيني والرأي العام الدولي نحو الانتباه لاحدى القضايا المركزية في واقع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. مبادرة الاسرى النضالية يجب أن تكون نموذجا للامكانيات الكامنة في المقاومة السلمية، وفي اتخاذ زمام المبادرة بغض النظر للموقف الاسرائيلي مما يطرحه الفلسطينيون من حلول.
ان المرحلة القادمة تحتم تحديد الاهداف المرحلية للنضال الفلسطيني من أجل تحقيق منجزات على أرض الواقع . ان الكشف عن السبب والمسبب لعدم اتمام أمر المصالحة الفلسطينية أصبح مطلب الساعة في الشارع الفلسطيني ويحتم على منظمة التحرير الفلسطينية والاطراف الفلسطينية التي هي خارج هذا الانقسام التصرف بمسؤولية وحكمة تمنع استمرار الوضع القائم.
اعادة تنشيط التحرك الدبلوماسي العالمي نحو ضم فلسطين الى عضوية الامم المتحدة يجب ان يتصاعد ويكثف . وكذلك المقاومة الشعبية التي بدأ يبرز فيها نشاط جيل كامل من الشباب يملك من العزيمة والاصرار والابداع في التصدي للاحتلال وقواته ما يؤكد أنه من الممكن التعويل عليه.
لقد نجح الاحتلال الاسرائيلي في تحويل المناطق الفلسطينية المحتلة الى قفص واسع وسجن كبير تحدّه الجدران الاسمنتية والحواجز العسكرية فتمنع من تنقل البشر وقد يبدو أحيانا ان الاحتلال يريد أن لا يشعر الفلسطيني بسجنه الا اذا ما فكر بالاقتراب من جدران السجن أو حاول اختراقها وفيما عدا ذلك يصبح السجن الواسع عاديا والحياة فيه عادية. ان الخطر الاكبر هو في أن ينجح الاحتلال في حصار الفكر والفعل السياسي الفلسطيني التحرري ليقبع داخل سجن حدوده المبادرات الامريكية أو الرغبات الاسرائيلية أو الزمن المتوفر للدبلوماسية الاوروبية. في الوقت الحالي يظهر الامر في موضوع المصالحة بأن ما قاله الشاعر الكبير محمود درويش حين حدث الانقسام بأن السجناء يتقاتلون والسجان يطل عليهم من كوة السجن فرحا.
والسؤال الذي يطرح ذاته على القيادة الفلسطينية الان أكثر من أي وقت مضى ... وماذا بعد ؟
