بعد قرابة العقدين منذ بداية "العملية السلمية" في مؤتمر مدريد، والتي استأثرت بها الولايات المتحدة وحلفاؤها لتوسيع وتكريس هيمنتها وضمان مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، تدرك الغالبية الساحقة من شعوب العالم وجزء كبير من الدول أنّ العقبة الحقيقية أمام السلام العادل والشامل وأمام الاستقرار والرخاء في المنطقة هو سياسة الرفض الإسرائيلية والتنكّر الاستراتيجي لحقوق الشعب العربي الفلسطيني وحقوق شعوب المنطقة، والعنصرية البنيوية للنظام الإسرائيلي الذي ينزلق أكثر فأكثر نحو نظام فصل عنصري مفضوح.
لقد حظيت القضية الفلسطينية منذ الستينيات بتضامن أممي واسع ترجمه دوليًا الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية. ومع أنّ الشعوب ظلت بغالبيتها متعاطفة ومتضامنة مع هذا الشعب الذي وقع ضحية لأخطر عملية سطو معاصرة، طرأ تراجع كبير على الأوضاع الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. كما أسهمت عسكرة الانتفاضة الثانية في تشويه صورة نضال الشعب الفلسطيني وخدمت فرية "الحرب على الإرهاب".
وهناك اليوم تعاظم ونضوج في حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، تتجسّد في آلاف المنظمات والحركات الطوعية الجذرية التي تطالب بمقاطعة إسرائيل ومعاقبتها على جرائمها وجباية ثمن اقتصادي وثقافي منها، وهو ما يسميه المحللون والساسة الإسرائيليون "خطر نزع الشرعية" ويعتبرونه خطرًا استراتيجيًا، وكثيرون منهم يرونه أخطر من المشروع النووي الإيراني.
وتكاد الجعبة الإسرائيلية تخلو من أية أجوبة حقيقية على الأسئلة المؤسِّسة التي استدعت اللجوء إلى سلاح المقاطعة ونزع الشرعية، سوى ترديد نفس المزاعم الممجوجة عن "اللاسامية الجديدة"، لا بل وتلجأ إلى "الفاتيكان" سعيًا لاستكمال عناصر مسرحية "الصراع الديني". هذه هي الزاوية المريحة لإسرائيل، والتي تجرّد الصراع من أبعاده السياسية لتلحقه بنظرية صراع الحضارات التي تقهقرت مع تهاوي المحافظين الجدد ومشروعهم في المنطقة.
ويا حبذا لو كفّ بعض ذوي القربى عن مدّ جعبة إسرائيل بذرائع مجانية!
