من النادر ان تجد انسانا متعصبا وطنيا ومناهضا للتعصب الطائفي ومعاديا ومحاربا بلا هوادة العملاء خونة شعبهم مثل "بطرس الحنا" ابو محمود، بالنسبة لبطرس الحنا الانتماء القومي الوطني اولا قبل الانتماء الطائفي والاثني. وعندما خلفت زوجته "مرتا" وحيدهما بعد عسر دام عشر سنين اصر على تسميته "محمود" على اسم صديق عمره ورفيقه في ثورة الستة والثلاثين "محمود البعناوي". وعمد ابو محمود ابنه في الكنيسة وعندما طهره عزم على قراءة مولد في الجامع. ومع انه تخطى عتبة الثمانين عاما الا ان صحته لا تزال تفلق الصخر، يقود دائما حملات الاغاثة لدعم صمود شعبنا المنكوب بالاحتلال ويشارك في جميع المناسبات النضالية والنشاطات الكفاحية كأنه ابن عشرين سنة. ترمّل بموت زوجته بعد النكبة بعامين وحلف على النسوان مكرسا وقته لتربية ابنه محمود، الذي اصبح مهندسا مشهورا وللقراءة والمطالعة التي يدمن عليهما يوميا، امضى في السجون الاسرائيلية خمسة اعوام من عمره بسبب تحريضه على العملاء خونة شعبهم الفلسطيني الذين هربهم المحتل ليعيثوا فسادا في مدننا وقرانا العربية. كان يحرض الناس بعدم تأجيرهم البيوت ويحذر الصبايا والاهالي من مصاهرة العملاء او الوقوع في شباكهم المنصوبة.
بطريق الصدفة التقيت ابو محمود يدردش مع صاحب دكان حارتنا، بادرني بالتهنئة على نجاح الجبهة وهزيمة الاحزاب الصهيونية بين جماهيرنا العربية، سرنا سوية الى بيتنا، عمّر الارغيلة وبعد ان اخذ نفسا طويلا قال: "انا فرح وقلق في نفس الوقت، فرح بنجاح الجبهة والقوائم العربية ولست خائفا من ذئاب الفاشية العنصرية، ما يقلقني هو مصير شعبنا الفلسطيني وما يحاك ضده من برامج تآمرية لحرمانه من حقه في الحرية والاستقلال الوطني، ما يقلقني ليس فقط المخططات الاسرائيلية – الامريكية ضد حقوق شعبنا الوطنية، بل كذلك من مخاطر ذوي القربى من بعض افصائل الفلسطينية والانظمة العربية، اتذكر ما كتبه واكده خالد الذكر الدكتور اميل توما في اواسط السبعينيات ان قيام منظمة التحرير الفلسطينية كمثل وحيد وشرعي للشعب العربي الفلسطيني في مختلف اماكن تواجده في الشتات القسري وفي المناطق المحتلة يعتبر من اهم المكاسب السياسية للنضال الفلسطيني العادل، فقيام منظمة التحرير انهى عمليا عهد الوصاية العربية وسمسرة الانظمة العربية بالقضية الفلسطينية لتبييض صفحة سياستهم الرجعية المتعفنة، فالمنظمة جسدت استقلالية القرار الفلسطيني والعنوان الاوحد والوحيد للتفاوض حول قضايا نضال الشعب الفلسطيني، العنوان المنظمة ورئيسها ياسر عرفات وليس الانظمة في القاهرة ودمشق وعمان وبيروت وبغداد. وقيام المنظمة اكسبها وشعبها اعترافا دوليا واسعا وصل الى عضوية مراقب في الامم المتحدة وتضامنا مع حق الشعب الفلسطيني في الدولة والقدس والعودة. قلق لان هناك من يريد ارجاع عجلة التاريخ الى الوراء، الى عهد الوصاية وترسيخ الانقسامات الفلسطينية وجعل الفلسطينيين وحقوقهم العادلة ضحية تجاذبات محاور اقليمية، فدعوة حماس لايجاد بديل لمنظمة التحرر الفلسطينية وتأييد بعض الفصائل وقادة فصائل هشة في دمشق لهذه الدعوة وبمباركة ايرانية – سورية هي دعوة مرفوضة لأنها تغرز خنجرا ساما في قلب النضال التحرري من اجل التحرر واقامة الدولة المستقلة. فمحور الانظمة العربية "المعتدلة" – مصر والاردن والسعودية، معروف انه محور مدجن امريكيا ومتواطئ مع المخططات الامريكية – الاسرائيلية للانتقاص من ثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية، فحذار من السقوط في مستنقع التجاذبات الاقليمية المميت، ولا خيار للشعب الفلسطيني لانجاز حقه المشروع الا بوحدة صفوفه وفصائله الوطنية وبتعزيز مكانة ودور م.ت.ف كممثل وحيد وشرعي للشعب الفلسطيني".
- قلت: شعب درب المعاناة والشهداء والنكبات لن يضيع البوصلة ولن يتخلى عن عنوانه المستقل.
