حَبَل أو نَبَل

single
على أثر التأكّد من فوز الإسلام السياسي في الانتخابات التشريعيّة في تونس ومصر، لبس كبار مشايخ الدين السياسي ثوب دين الرحمة والأخلاق فوق ثوب التخلّف والنفاق والترويع السياسيّ، وأخذوا يطلقون البيانات والتصريحات المطمئنة للأوساط العلمانيّة العربيّة التي عبّرت عن قلقها وارتعابها و... وفقدانها للتوازن وللتكيّف مع الحالة الاجتماعيّة السياسيّة الاقتصاديّة والثقافيّة المتبلورة في الأقطار العربيّة.
 كانت النتائج متوقّعة، وهي دلالة وبرهان قاطع على ضعف وغربة الفكر والتنظيمات العلمانيّة وتشتتها وتمزّقها، حتى بتنا لا نشعر بوجودها، إلا إذا تصدّى أحد العلمانيّين للحجاب أو لغيره من أشكال التعصب بمقالة خجولة كردّ فعل سطحيّ يتجاهل فيها ما يختمر في أحشاء الجماهير المسحوقة، وكأنّ المعركة مع الأصوليّات الدينيّة مقتصِرة على ما يفرزه مظهرها وشكلها...وممارساتها. لم نشهد معركة فكريّة حقيقيّة واحدة شنّتها الحركة العلمانيّة العربيّة ضدّ الفكر الإكليركيّ وضد الوعاء الحاضن للفكر الديني الرجعي الذي يقف وراء الصورة. تُرك في الماضي طه حسين يتراجع لوحده، ونجيب محفوظ ليضمّد جراحه لوحده، ومحمود أمين العالم لوحده، وحسين مروّة ليسبح بدمائه لوحده، ومهدي عامل لتخترقه رصاصات الغدر لوحده، ونصر حامد أبو زيد مع زوجته لوحدهما، والقائمة تطول.
لاشكّ بأنّ الأوضاع السياسيّة من احتلال وقمع واضطهاد و...والأوضاع الاقتصادية من فقر وجوع وبطالة... والاجتماعية من قبليّة وعصبيّة و... والثقافيّة من جهل وسطحية علميّة وغيبيّة متنكّرة للواقع منفّرة للطبقة الكادحة ببؤس فلسفتها... لا شكّ بأنّ هذه الأوضاع، كلّها أو بعضها، قد أسهمت في تحريك عملاء التعصّب الديني وفي تعاطف الفئات الشعبية معهم واعترافها بهم؛ فكانوا أبرز دعاة للتعصب الموجود على الساحة وأنشطهم وأشدّهم وأوسعهم تأثيرا. كما أسهمت صالونات ونوادي المثقفين العلمانيّين المغلقة على ذاتها في إكساب دعاة التعصّب صفات النبوغ والعظمة والاستقامة!!! كذلك أسهمت في نشوء فئات علمانيّة سطحيّة تفتقد إلى المعرفة العلمية والتربويّة والفنيّة... وإلى القيادة الثوريّة التقدميّة.
هذه الأوضاع البائسة جعلت طرفي الصراع طرفًا ونصف يرقصان على مسرح الدين الواحد، حيث يتفوّق عملاء الدين السياسي على المتهادنين شبه المناوئين، المسهمين في تهميش المعرفة والبحث والفكر القوميّ والاشتراكي... هذا ما استدعى استشراء الفساد والتذبذب السياسي والتذيّل بالوطنيّة الحقّة؛ لذلك ليس غريبًا أن تسود أفكار النفي والإقصاء للآخر؛ لأنّ المنافسة اقتصرت على المظاهر والتمظهر حيث يختلط الحابل بالنابل وحيث هزّ ّالخصر الفكري يكون على أنغام الشعارات ..بدون عمل منتج ولا صناعة واختراعات...ولا موسيقى راقيّة ولا تكنولوجيا.
لطالما سمعنا قيادات النزعة اليساريّة تدعو إلى ملاطفة ومسايرة الدين ودعاة التعصّب، كالبنت التي أرادت أن تبوح لجدتها بسرّ حملها، فجاءت إلى جدّتها وقالت لها: " يا ستي أنا حبلى شويّة" . فقالت لها جدّتها: "يا بنتي يا حبل يا نبل". وهكذا لا يمكن لليساريّ أن يكون دينيا إكليركيا وعلمانيا معا.
لذلك لا نستغرب تحوّل أفكار ومعتقدات اليساريين التقدميين إلى شبه دين جامد لمكافحة الدين السياسي، ألم يسجّلوها كشعارات غير مفضّلة؟ لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر شعار فصل الدين عن السياسة، ظلّ هذا الشعار على مكاتب اليساريين إلى أن عزلوا سياستهم عن الدين ثمّ خنقوها في أندية الجدل السفسطائي، وتركوا للدين  ساحات الفقراء لينمو وليترعرع في ظل تفضيل اليساريين اللفظيين التعاطي مع شعار التسامح والوفاق ... إلى آخر الأسطوانة المشروخة على حساب المعركة الفكريّة في الميادين.
في رأيي، ثمة معركة لا بدّ من خوضها لأجل وقف التدهوّر ونداءات الرحيل؛ وهي نشوء قيادة عقلانيّة من العلمانيين لا تغضّ الطرف عن مثل هذه الأساليب والأفكار التي تسيء إلى العقلانية ذاتها، ولا تكتفي بالانتقاد اللفظيّ لهذا الأسلوب في الجلسات الصالونية؛ بل تخوض معركة فكريّة إعلاميّة شرسة في ميدان التحرير مع الدين السياسي ودعاته بشكل يعيد الثقة بالنفس لكلّ علماني، بدون استثناء الذين تزعزعت ثقتهم بفلسفة حياتهم أو فقدوها.
لن ينتهي التاريخ بانتصار الدين السياسي، لقد لفظت الحياة الكثير من المفكرين الذين حدّدوا نهاية التاريخ، من هيجل الذي حدّد نهاية التاريخ بعد انتصار مبادئ الثورة الفرنسيّة في المساواة والكرامة، إلى هانتجتون في صدام الحضارات.
فليرمِ التقدميون طوق النجاة للتنظيم التقدّمي حتى لمن يغرق في شبر ماء! وليعترفوا بتفوّق الدين السياسي في هذه المعركة الانتخابيّة، وليعرّفوا الجميع باختلافهم عنه، وليعلنوا عن رغبتهم في التنافس السياسيّ والفكريّ على السلطة والشارع، اليوم وليس غدًا. فبمثل هذا الإعلان يمكن لهم أن يحرّروا ويشحنوا طاقاتهم الحيويّة والخلّاقة للإبداع في الصمود ووقف التدهور وبالتالي للانطلاق واقتحام السماوات الحضاريّة.
لا بأس أن يبصق الثوريّون ضدّ الريح أحيانا، لتعلم الريح بوجود تغيير! فالتغيير يبدأ بالسيرورة وينتهي بالنتيجة، لتنتعش الحضارة!
قد يهمّكم أيضا..
featured

الرفيق أبو مازن كمال غطاس الشيوعي العملاق بكفاحه الثوري مع شريكة عمره أم مازن وأحد صُناع صمود البقاء في الوطن

featured

حكومة نتنياهو المقبلة

featured

عزمي بشارة وألعابه الأيديولوجية

featured

"فك الحصار" عن المصالحة ..شرطا!

featured

ساحة ملتهبة وطبقة سياسية مخدّرة

featured

حوار مع صُناع القرار

featured

بيبي يريد أن نستجيب أكثر لِمُثيراته

featured

الطائفية البغيضة