عزمي بشارة وألعابه الأيديولوجية

single

     *نموذج كتابه "سورية: درب الآلام إلى الحرية"*

     *أولًا: في مغازي العنوان*

 

 

يلاحظ القارئ أولًا اختيار العنوان: درب الآلام، وهو عنوان مقدس بطبيعة الحال، ويحيل على الفور على درب الآلام الذي سلكه يسوع المسيح. وهو درب يقود المسيح في النهاية إلى قهر الموت، وتخليص الإنسان من كابوس الخطيئة الأصلية. ولكن الدرب أيضًا يشير إلى وضوح معالم الطريق. هناك ولا شك آلام ولكنها آلام تقود عبر طريق واضح إلى الهدف المنشود. والآلام هنا ضريبة لا بد منها للوصول إلى الغاية المقدسة. وهي هنا أيضًا خلاص من العبودية، لا عبودية الخطيئة الأصلية ولكن عبودية نظام الأسد. في الأحوال كلها يأتي الخلاص.
لكن لماذا يبدو لبشارة أن الطريق يقود إلى الحرية؟ أليس هناك مقدمات واقعية تترجم منطقيًا وتقود إلى النتيجة اللازمة عنها بحسب دروس أرسطو التي يحفظها عزمي بشارة عن ظهر قلب؟ هل لنا أن نبدأ بقياس مقارنة أرسطو معروف ولا بد للمفكر العربي بوصفه كان عرّابًا وقابلة فكرية، نظّرت على امتداد سنين وأشهر طويلة للديمقراطية بوصفها خشبة خلاص الإنسان العربي متوجة بـ "بيان ديمقراطي عربي" وبعمل دؤوب في الجزيرة المبشرة من قطر بعصر ذهبي عربي تقوده الإمارة التي تأخذ في هذه اللحظة الفريدة دورًا شبيهًا بالذي أخذته الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر؟
حسنًا إن قياس المقارنة يجب أن يقرأ الثورة الديمقراطية العظيمة في تونس، ثم مصر، ثم ليبيا؟ أين وصلت الحرية بتونس ومصر وليبيا؟ حكومة إخوان مسلمين على شفا الحرب الأهلية مع بقاء كل شيء من بقايا النظام السابق باستثناء أسماء الأشخاص. وحكم إخوان في مصر انتهى إلى حرب أهلية تقريبًا مع عودة مشرعة شعبيًا لحكم نخبة عسكرية نصف تائهة. وأخيرًا في ليبيا شرذمة البلاد وتقسيمها –على الطريق- مع انعدام الأمن وانتعاش القبلية التي عمل النظام الديكتاتوري البائد على امتداد خمسة عقود تقريبًا من أجل تفكيكها لمصلحة نظام فيه يتم استبدال الدولة بالقبيلة. الآن ليبيا تنعم بانعدام القمع والديكتاتورية والدولة والإنتاج والاستقلال جميعًا. ولا بد أن القادم أخطر مع هيمنة عصابات تابعة لأجهزة الاستخبارات الغربية.
ربما أن قياس المقارنة ليس مشروعًا كما يبدو لنا للوهلة الأولى. وقد تكون سوريا بالفعل مختلفة عن شقيقاتها من حيث الرحم والقابلة التي ستستخرج الطفل الديمقراطي السعيد تتويجًا لآلام المخاض الديمقراطي التي يشير إليها عنوان عزمي بشارة. لا بد أن القوى التي تتألم في سوريا في مخاض الولادة هي قوى ديمقراطية أساسًا، وإلا فإن عزمي لن يتمكن من التنبؤ بأن الحرية آتية لا ريب فيها.
من المؤسف أن الأمر ليس على النحو المأمول أعلاه، وأن قوى في الثورة السورية – على الأقل بعد نضج المسيرة الثورية - مكونة من القاعدة والقاعدة وأصدقاء القاعدة، مع دعم سخي وإن شابهُ شيء من التنافس بين المخابرات الأمريكية والسعودية والقطرية والتركية والأردنية. وهناك مادة الثورة المكونة من مجاهدين يكررون هذه المرة في شكل ملهاة تجربة الجهاد ضد السوفييت في أفغانستان. هل يمكن أن يكون في هذا الرحم حرية وديمقراطية وعلمانية واحترام للاختلاف؟ بل هل من مكان للعقل في هذا كله؟
الحركات التي تتألم في سوريا على درب الحرية هي داعش والنصرة والجيش الحر وعناصر مخابرات إقليمية ودولية بما في ذلك بالطبع إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. وبمناسبة ذكر إسرائيل نستطيع أن نؤكد بدون خوف الوقوع في الخطأ بأنه لا يوجد أي ديمقراطية "حقيقية" تدعم الثورة السورية إلا إسرائيل. ولا بد أن بشارة لا يستطيع أن يهمل تاريخه بوصفه مفكرًا إلى حد الزعم أن الدولة التركية كانت في أي وقت من حياتها دولة ديمقراطية سواء في الزمن العثماني أو في زمن أتاتورك والانتساب لحلف شمال الأطلسي مع قتل المعارضين بلا رحمة سواء أكانوا أكرادًا أم شيوعيين أم غير ذلك.
لا يوجد في الواقع ما يسمح لنا بتمني أن يكون المفكر العربي محقًا في توهمه بأن المقدمات الواقعية تقود إلى الحرية. لكن أليست الحرية في ذاتها مفهومًا أيديولوجيًا بامتياز؟ كيف يمكن لمفكر مثل عزمي بشارة أن يتحدث عن حراك سياسي في بلد ما بوصفه تحركًا نحو الحرية؟ ثم إذا كان الرجل مصرًا على استخدام هذا المصطلح المراوغ الذي قد لا يتفق على معناه ثلاثة أشخاص في وقت واحد، ألم يكن جديرًا به أن يحدد معناه، كيما يدرك القارئ لكتاب في السياسة أشبه بتحقيقات الجزيرة، المقصود من الحرية التي يتحدث عنها الكاتب، أو على الأقل أن يقارنها بشيء مما نعرفه في التجربة الواقعية، كأن يقول مثلًا إن الحرية المقصودة هي مثيل لما نجده في قطر أو في إسرائيل أو في ليبيا بعد ثورة الحرية المظفرة فيها أو في العراق بعد تحريره من صدام حسين؟ لكن بشارة لا يفعل فهو يستفيد من الغموض الإيجابي للمفهوم الذي لا يعني شيئًا على الإطلاق مثلما يعرف أي مبتدئ في الفلسفة من طلبة الجامعات أو حتى طلبة المدارس الثانوية. الغموض هنا مقصود بغرض التمويه على المستقبل الواقعي الذي هو خليط من التفكك وتدمير الدولة والاقتصاد والخضوع للاستعمار الغربي وزوال أي تهديد لإسرائيل مع احتمال لا بأس به بأن يتم تقسيم سوريا بين أمراء الحرب، وطبعًا استغلال موجة الحرية من أجل التحرر من تهديدات حزب الله التي تقمع حرية لبنان في التحول إلى محمية سعودية أو إسرائيلية. عزمي بشارة يعرف ذلك كله خيرًا منا، بل هو يعرف أنه بوصفه عربيا مسيحيا، قد لا يعود بمقدوره أن يزور سوريا إن سيطر عليها ثوار الحرية من جماعات داعش الذين يفجرون المساجد الكافرة، فما بالك بالمسيحيين سواء أكانوا مخلصين من شاكلة عطا الله حنا، أم علمانيين على الطريقة القطرية من شاكلة بشارة نفسه.
لكن لا يمكن لنا أن نكتفي بالبقاء في سياق العام. لا بد لنا من مرافقة بشارة في رحلته التاريخية على دروب الحرية. وعليّ أن أختم هنا بالقول إن هذا التعبير ليس من بنات أفكارنا وإنما هو عنوان كتاب للفيلسوف المعروف سارتر. ولا بد أن عزمي في عنوانه كان يفكر في المسيح وسارتر وأمير قطر وبشار الأسد من بين أسماء أخرى كثيرة. لكنني سأبدأ بقراءته التحليلية العميقة – كما هو المتوقع منه - للنظام السوري القمعي ورئيسه بشار فاقد الشرعية من دون الحكام جميعًا، وخصوصًا حكام الخليج.

 

 

*ثانيا: في معاني الديمقراطية*

 

بسبب عدم قدرتي على ترك المفردات تدور في فضاء الفلسفة الحر بدون أن أقوم بأي جهد للتصنيف أو التحديد أو التعريف مثلما يهوى بشارة، فإنني ألزم نفسي من البداية بقول بضعة أشياء تصدم ولا شك ثوار الحرية من جماعات قطر وتركيا والسعودية يتوجها بالطبع الجهد المميز لعزمي بشارة بالذات.
أولًا نحن لا نرى أن الإنسان في الولايات المتحدة "حر" بالمعنى الإيجابي أو السلبي لكلمة الحرية. ونظن أنه لا يعيش في ظروف تسمح باستخراج أفضل الإمكانيات الموجودة في داخله بوصفه كائنًا بشريًا متعقلًا ذواقًا للجمال منحازًا لقيم الخير. هناك عقل أداتي محدود وميكانيكي يصبغ حياة الناس. وهناك فردية ولا مبالاة تجاه ما يجري في الدنيا. وهناك حالة ركض واندفاع خالية من المعنى لخصها مطلع القرن ت.س. اليوت عندما كان الوضع أقل سوءا بكثير مما هو عليه الآن. إنه ألفرد بروفروك أو إنها أرض يباب. أما ذهاب الناس في تمثيلية الانتخابات الفجة للاقتراع مرة كل أربع سنوات لانتخاب أحد الحزبين المتماثلين تقريبًا، فلا أظن أنها تنسجم مع قواعد العقل المنطقي كي تنسجم مع قواعد الديمقراطية. ليس معقولًا من الناحية المنطقية أن أقوم بالاختيار بين قلم حبر أزرق بك جاف وقلم بك حبر أزرق جاف، وإذا حاولت الاختيار فإن البائع سيضحك مني لأنني أقوم بفعل غير منطقي وغير عاقل على السواء.
أين هي الحرية على وجه التحديد؟ لا يخبرنا بشارة عن مكانها باستثناء مفردته الملتبسة عن دروبها التي لا نعرف عنها إلا انها معمدة بعمليات تدريبية وحشية وبدائية تشجع الأطفال على اكتساب مهارة انتزاع الرأس بالسكين أو البلطة أو اقتلاع قلوب الأحياء بعد بقر بطونهم وتناولها وهي طازجة ما تزال تنبض بالدم الذي كان يجري منذ لحظات في عروق إنسان آخر يختلف معنا في المذهب، لا في العقيدة ولا القومية، ولا الانتماء لنوع البشر. إنها دروب مجنونة وعمياء وحمقاء تلك التي ستقود إلى الحرية المزعومة.
هناك أمر لا بد منه لكي أطم الوادي نهائيًا على قرى عزمي بشارة، وأستحق لقب التجديف التام. ذلك هو أن بقرة عزمي بشارة وأساتذته في شمال العالم المسماة الديمقراطية لا وجود لها حتى في شكلها الغربي الأضحوكة في عالم الجنوب أبدًا. وليس هناك من إمكانية لأن تولد هذه الديمقراطية في العالم الذي نعيش فيه أبدًا. قد نكون مبالغين في زعمنا أن بلادنا قد لا تكون في وارد الوصول إلى تحقيق حلم عزمي بشارة الديمقراطي أبدًا. ولا بد أن ذلك مما يزعج الرجل خصوصًا بعد أن أصدر بيانه، وقال قولته مقلدًا بيانات المفكرين الكبار من قبيل ماركس في بيانه الشيوعي، فأطلق علينا بيانًا ديمقراطيًا لا سند له من التاريخ إلا وهم المفكر القومي، بأن المسار الذي مرت فيه أوروبا سوف تمر فيه غزة ومصر وسوريا ورام الله وليبيا. ذلك أن عزمي يتوهم أن التاريخ يسير على هدي خطته الأوروبية، وأنه ليس من طريق إلا ذلك الطريق.
نحن نتوهم وإن كنا لا نستطيع هنا أن نفرد الكثير لهذه النقطة، أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل نظام صناعي غني ورأسمالي يمكن فيه إخفاء الاستغلال عبر هيمنة مدنية متعددة الأوجه، مما يسمح بانتخاب حزب يمثل رأس المال في كل انتخابات تحدث. خلاف ذلك يتم الارتداد على الديمقراطية، مثلما حدث في ألمانيا ثلاثينيات القرن الماضي، أو تشيلي السبعينيات التي ذبحت على يد الديمقراطية الأعرق والأهم في العالم. لا مكان للديمقراطية هنا لأنها الشكل الرأسمالي المتقدم لإدارة الصراع الطبقي.
من البديهي أن كلامنا الايديولوجي الواضح لن يروق لعلم بشارة المتشح بعباءة الإخوان المسلمين وعلمانية أمير قطر وورع الجزيرة راعية الحقيقة ومفبركة الوقائع والمشاهد. لكن لا مهرب لنا من القول بأن البلاد العربية لن تتمكن من الوصول إلى امتلاك تقنيات العلم المختلفة، وتمثل تقاليد الصناعة واستدخال عناصر القوة العسكرية إلا بنظام حمائي ديكتاتوري لا يسمح بالكثير من فرص الحركة لسفراء حقوق الإنسان من عناصر المخابرات الأمريكية. وهكذا فإن الشرط الكافي للوصول إلى مرحلة النظام الرأسمالي الصناعي الديمقراطي تتنافى هذه المرة مع الديمقراطية التي يشكل ذلك الوصول شرطًا لولادتها. ومن هنا فإن إعادة التجربة الأوروبية غير مطروح على أجندة التاريخ في البلاد العربية خصوصًا وعالم الجنوب عمومًا. المطروح أنظمة تابعة بنيويًا لمركز النظام العالمي يمكن أن تجري انتخابات طريفة تحت الاحتلال المباشر أو غير المباشر مثلما هو الحال في العراق أو مناطق السلطة الفلسطينية.
بعد هذا التقديم يمكن لنا أن ننطلق إلى محاولة محاورة عزمي بشارة فيما يخص سوريا. طبعًا النظام السوري ليس نظامًا ديمقراطيًا. وهو نظام ديكتاتوري بامتياز مثله مثل النظام الأردني والمصري السابق والحالي والمقبل والتونسي والمغربي والجزائري والليبي والسوداني (في الجنوب والشمال على السواء) وبالطبع العماني والسعودي..الخ ربما مجاملة لعزمي بشارة علينا أن نستثني الديمقراطية القطرية، فقد لاحظنا في الواقع أن الحاكم القطري قد تغير بحركة انقلابية بيضاء مرتين الأولى في العام 1995 والثانية في العام 2013. ولا بد أن بشارة يعد ذلك تغييرًا ديمقراطيًا يضع قطر في سياق العالم الديمقراطي الذي ينظر له وينتسب إلى قيمه وتراثه على الرغم من اضطراره أن يلتقط رزقه من بلادنا العربية بالذات. ربما لأن قلاع العلم وحصونه في الشمال ليست في حاجة إلى خدمات مفكرينا القوميين وغير القوميين على السواء. ولذلك تجده من مواقع الديمقراطية القطرية ينطلق إلى بناء الأسس اللازمة لوضع مشروع بيانه الديمقراطي العربي موضع التنفيذ.
طبعًا لم نقم هنا بأكثر من وضع الخطوط الرئيسة لقراءة كتاب بشارة المليء بالحشو الصحفي المستند إلى "وثائق" والجزيرة الموضوعية والتي لا تكذب وتتنزه عن المصالح والأغراض والارتباطات بالاستعمار وغيره من دون أبناء جلدتنا جميعًا. لكن قراءة الكتاب شكل مفصل تستدعي جهدًا أكبر نأمل أن نتمكن منه قريبًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصدر في السعودية.. ما هي الرسالة؟

featured

من يخاف أن تكون "الجامعة لنا جميعا"؟

featured

ستتعافى جماهيرنا العربية بالتوعية السياسية والاجتماعية

featured

الثلم الأعوج من... الكبير

featured

شبلي شميِّل... داروين العرب

featured

حقائق حول استراتيجية الحرب المبيتة على غزة والشعب الفلسطيني!

featured

لنبحث عن ثغرة "داعش"