لماذا نحمل الزعماء العرب "طبق عجين"، ونتهمهم بالتقاعس؟ لو كان عند غيرهم مثلما عندهم مما يهدد امنهم الوطني، لما وجد لديه وقتا "يحك رأسه"!!
هل قليل ما تواجهه مصر؟ لقد اكتشفت فجأة ان الاخوان المسلمين يخططون لقلب النظام رأسا على عقب. وهم كما يبدو، لا يدركون ان وجودهم ذاته غير شرعي، وان الشرعية في البلد العربي تعني الحاكم وابناءه وجوقة الطبالين والزمارين والكتبة المأجورين. لماذا لا يقيم النظام جدارا فولاذيا بينه وبينهم كما فعل في غزة؟
بل لماذا لا تُعمم سياسة الجدران هذه، بين الحكام العرب وشعوبهم؟
وهل قليل ما يواجهه اليمن؟
هو الآخر اكتشف انه لم يعد "سعيدا" كما في الازمنة الغابرة، بسبب "الاجانب" الذين هبطوا عليه من "غامض علم الله". فماذا بوسعه ان يعمل سوى سحقهم؟ ولما لم يتحقق ذلك خلال خمس حروب، شن السادسة مستعينا بالاصدقاء من سعوديين وامريكيين، لعله يحرز النصر على هذه "الدولة" الغريبة المحتلة العظمى، التي اسمها الحوتيون!! ويا فلسطين جينا لك!"
وحدها السعودية توزع وقتها بشكل دقيق. فرغم انشغال خادم الحرمين بخدمة الحرمين، الا انه لم يدع مؤتمرا للامن الاوروبي يفوته. فأوفد الامير تركي اليه.
وما علاقة السعودية بالأمن الاوروبي؟
مثل علاقة رئيس الوزراء الفلسطيني بمؤتمر هرتسليا!
العالم هكذا هذه الايام. كله متداخل في كله. والعرب يجب ان يكون لهم "قرص في كل عرس".
لكن خادم الحرمين كما يبدو، لم يعلم بما فعله سمو الامير في المانيا.
وماذا فعل سموّه؟
هل "تعربش" ألمانية شقراء ونام معها فخلّف لنا اميرا قد يحكم المانيا مستقبلا؟ ام خسر ثروة طائلة على الموائد الخضراء، ويخشى من العودة الى بلاده لئلا تأخذ العدالة السعودية مجراها، وتلك العدالة كما هو معروف عنها "ليس عندها لحية ممشطة"!!!
لا هذه ولا تلك. فالأمراء ذوو مروءة وفحولة. واذا قرروا القيام بذلك فانهم لا يفعلونها "تحت طابق السر"، بل "تحت" عدسات الاعلام، لكي يعرف مواطنوهم ما يقدمونه من خدمات جلى، وكيف يحرصون على سمعة وطنهم.
وهنا بيت القصيد.
فالامير السعودي يفهم في الاتيكيت، ويهمه وجه بلده الناصع الدمقراطي الحضاري. ومن المستحيل ان يترك مجالا للشك في ان العرب مجرد جِمال وبيد وخيام وبراميل نفط وكوفيات وطنية مصنوعة في لندن! لقد اصبحوا قادة عصريين. رؤوسهم حاسرة وملابسهم من ارقى الشركات (كاسترو وباجير...) ويتقنون عقد ربطة العنق بصورة قلب ويطبقون نظام تغذية، يصون لياقة كروشهم واعجازهم. وفوق ذلك كله، واهم من ذلك كله، باتوا يتمتعون بذهنيات مفتوحة متسامحة!
والدليل "آلوله" في المانيا.
قاعة المؤتمر تفيض بقادة العالم من رؤساء ووزراء. اسرائيل لم توفد وزير خارجيتها، اما تجنبا للعزارات والفضائح، واما لان المسألة لا تستاهل، واما لانها ارتأت ايفاد من باتت لديه خبرة في العقليات الشرقية والاسلامية. انتدبت نائب وزير الخارجية داني ايالون! اتذكرونه؟
أجل هو الذي جعل السفير التركي يتصبب عرقًا تحت سياط الاهانة التي صبها عليه كالرصاص المصهور، الذي يتهمون اسرائيل بانها صبّته على قطاع غزة!!
يتهمون؟؟!!
طبعا! كلها دعايات وشائعات!
إقرأ كيف تدافع اسرائيل عن "عدالة" موقفها وطهارة سلاحها وانسانية جيشها، نافية التهم التي توجهها اليها محكمة العدل الدولية. ان ما رآه العالم الكذاب، وصوّرته وسائل اعلامه الزائفة، ورواه القاضي المتأسلم رتيشارد غولدستون في تقريره، لم يكن سوى قنابل دخانية، تحتوي على بعض الفوسفور.
وهذه القنابل لا يحظر القانون الدولي استخدامها. ولم يكن الهدف من اطلاقها قتل احد، بل اخفاء الجنود! ثم ان الغزيين افادوا من ذلك الفوسفور، ليس فقط لزينة العيد، بل لاتقاء برودة كوانين، في وقت انقطع عنهم التيار الكهربائي لسبب غير معروف!
صاحبنا ايالون هذا، وبفضل ما تراكم لديه من خبرة في اعقاب الحادثة التركية، قرر ان يخبط خبطته، فان اصابت جعلنا هذا "العلج" (اعتذر للصحاف وزير اعلام صدام) يدخل حظيرة التدجين، وان خابت أثرنا المؤتمرين من الاجلاف العرب والمسلمين. وهكذا كان.
قال ايالون ما معناه ان الامير نجح في التحريض على مندوب اسرائيل، واستبعاده عن هيئة مزمع تشكيلها، لانه رفض الجلوس فيها الى جانب الاسرائيلي. واضاف ايالون: واذا لم يفعل الامير ذلك، فليكن شجاعا ويصافحني!
ولم يكذب الامير خبرا. أليس اميرا؟!! فزّ كما فزت حكومته من قبل وطرحت مبادرتها "سلام بين اسرائيل والدول العربية برمتها، مقابل انسحاب اسرائيلي الى حدود الرابع من حزيران سنة 67" لكن تاريخ صلاحيتها انتهى مثل قمع لبن من تنوفا! سار سموه بكل إباء وشجاعة. قطع القاعة من اولها الى آخرها، و "هدّ" على المستر ايالون و "هراه" بوسا وعناقا!!
تبين فيما بعد، ان من أبى الجلوس مع ايالون في هيئة واحدة، هو المندوب التركي؛ هؤلاء الاتراك قساة لا ينسون الاساءة، أي متخلفون ومنغلقون.
ويقال ان خادم الحرمين حين علم بما وقع، استشاط غيظا ونزل بالامير توبيخًا وبهدلة.
- لانه حضر المؤتمر؟
- لا.
- لانه لم يرتدِ الزي العربي والكوفية الوطنية المصنوعة في لندن؟
- لا.
- لان التركي سبقه الى الرفض؟
- لا.
- آ.... لانه صافح ايالون!
- أبدًا.
قال له موبخًا منذ متى صار الامير يسبق الملك سيد البلاد، على فعل المكرمات يا خسيس!!
إعتذر الامير وطمأن سيده بان القادمات اكثر من الماضيات...
وتلبدت سماء القطاع بالغيوم. وأفاد الراصد الجوي بأن "مفراطا" من الرصاص المصبوب قد يهطل قريبًا. ثم انتبه الى الخطأ فصحّح:
لم أقصد الرصاص بل الفوسفور....
