في التاسع عشر من أيار العام 1895، وقبل ساعات من مقتله، كتب بطل معركة استقلال كوبا خوسيه مارتي بضع كلمات حدّد فيها أهداف نضاله ضد الأميركيين «اليانكي»، ومن بينها «منع الولايات المتحدة من التمدد، في حال سقوط كوبا، عبر جزر الأنتيل، والمكوث بهذه القوة الإضافية فوق أراضي أميريكانا (أميركا اللاتينية)».
ويبدو أنّ ما حذر منه مارتي قبل 124 عاماً، يتكرر اليوم مع مشروع توسعي جديد للولايات المتحدة في القارة الجنوبية، آخر فصوله الاتفاق بين واشنطن وبوغوتا لزيادة حجم التواجد الأميركي العسكري في كولومبيا، والذي أثار ردود فعل عاصفة، وسط مخاوف من توتر جديد في هذه المنطقة، التي يتضح أن واشنطن ما زالت تنظر إليها على أنها حديقتها الخلفية.
ويقضي الاتفاق، الذي توصل إليه الرئيسان الأميركي باراك أوباما والكولومبي ألفارو أوريبي خلال زيارته الأخيرة إلى البيت الأبيض، بعد أيام على الانقلاب العسكري في هندوراس، بإنشاء سبعة قواعد عسكرية للقوات الأميركية في كولومبيا، بينها ثلاث قواعد جوية في بالنكوير (شمالي بوغوتا) ومالامبو (على مقربة من الحدود مع فنزويلا) وأبياي (وسط البلاد)، وقاعدتان بحريتان في كارتاخينا (على البحر الكاريبي) وباهيا دي مالاغا (على المحيط الهادئ)، إلى جانب تعزيز التواجد العسكري الأميركي في قاعدتين قائمتين أصلاً، في إطار التعاون العسكري بين الدولتين، وتضمان حالياً مئات الجنود والمتعاقدين الأميركيين (توليمايدا وسط البلاد، ولارانديا في الجنوب على مقربة من الحدود مع البيرو والإكوادور).
وتبرر كل من واشنطن وبوغوتا الاتفاق وفق مقتضيات الحرب على تجار المخدرات، لا سيما بعدما فقدت الولايات المتحدة قاعدة مانتا في الإكوادور، بعد انتخاب اليساري رافاييل كوريا رئيساً لتلك الدولة اللاتينية، واشتراطه على الإدارة الأميركية إقامة قاعدة عسكرية لبلاده في ميامي في مقابل السماح لها بمواصلة استخدام تلك القاعدة.
وفي هذا السياق، أوضحت صحيفة «إل تييمبو» الكولومبية أنّ الاتفاق مع واشنطن يأتي في ظل فقدان الولايات المتحدة قاعدة جوية تطل على المحيط الهادئ، الذي توجد فيه أكثر الطرق البحرية لتهريب المخدرات نشاطاً.
لكن قلة في أميركا اللاتينية يقنعها هذا التبرير. فالرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو رأى، في مقال حمل عنوان «القواعد اليانكية والسيادة الأميركية اللاتينية» إنّ «مكافحة المخدرات ليست سوى حجة لإقامة قواعد عسكرية في هذا النصف من العالم»، متسائلاً: «منذ متى وقطع الأسطول الرابع والطائرات القتالية الحديثة مفيدة لمكافحة المخدرات؟».
وبحسب كاسترو، فإنّ الهدف الحقيقي للاتفاق الأميركي ـ الكولومبي هو «السيطرة على الموارد الطبيعية، والهيمنة على الأسواق، ومكافحة التغييرات الاجتماعية» في أميركا الجنوبية. ويضيف «ما الحاجة إلى تفعيل هذا الأسطول، الذي أوقفت محركاته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل ستين عاماً، في وقت لم يعد هناك وجود للاتحاد السوفياتي ولا للحرب الباردة؟»، ليخلص إلى أنّ «الحجج المستخدمة لإقامة سبع قواعد جوية وبحرية في كولومبيا تشكل استخفافاً بالعقول وإهانة لها».
ولعل ما كتبه فيدل كاسترو قد عكس موقفاً أجمع عليه معظم قادة أميركا اللاتينية، باستثناء الرئيس البيروفي الآن غارسيا. فالرئيس البرازيلي لويس ايناسيو لولا دا سيلفا، الذي يعتبر من الرؤساء اليساريين «المعتدلين» في القارة الجنوبية، أعرب عن انتقاده للاتفاق بقوله إنّ «إقامة قواعد جديدة في كولومبيا أمر لا يفرحني». واعتبر أنّ «هذا الموضوع لا يخصّ فقط بلداً ويختلف معه بلد آخر، الموضوع يقلق الجميع ويعنيهم»، رابطاً بشكل غير مباشر بين هذا الاتفاق وإعادة تفعيل الأسطول الرابع العام الماضي، والتدخل الأميركي في انتخابات دول أميركا اللاتينية، واكتشاف احتياطيات نفطية جديدة في البرازيل، والخطط الرامية للسيطرة على موارد الأمازون، فيما وصفت رئيسة تشيلي ميشيل باشليه الاتفاق بأنه «مثير للقلق».
أمّا الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، الذي يمكن القول إنه رأس الحربة في معركة التصدي لهذا المشروع التوسعي بعد استدعائه سفير فنزويلا من بوغوتا وتلويحه بعقوبات اقتصادية صارمة ضد جارته، فذهب إلى حد وصف كولومبيا بأنها «إسرائيل أميركا اللاتينية»، معتبراً أنّ الاتفاق الأميركي ـ الكولومبي يستهدف «محاصرتنا بالقواعد». وتعهد تشافيز بعرض وثائق تثبت أن الهدف من الاتفاق هو تأمين حرية الحركة للقوات الأميركية في أنحاء أميركا الجنوبية كافة.
وقد تكون الوثيقة الصادرة عن قيادة التحرك في القوات الجوية الأميركية في نيسان الماضي من أبرز الأدلة التي يسعى تشافيز إلى استخدامها لإظهار حقيقة أهداف الاتفاق. وقد ورد في هذه الوثيقة إنّه «حتى الآن، لا يزال التركيز على المخاوف الأمنية في أميركا الجنوبية مقتصراً على مهمة مكافحة تهريب المخدرات. وأنّ هذه المهمة لا تتطلب استخدام خط إمداد جوي في عملياتها». وتضيف الوثيقة أنّ «قيادة المنطقة الجنوبية باتت مهتمة في إيجاد مكان ما في أميركا الجنوبية ليكون قاعدة لتنفيذ عمليات التحرك».
وتتحدث الوثيقة صراحة عن قاعدة بالنكوير التي «يمكن من خلالها تغطية نصف القارة بطائرة (سي-17) من دون الحاجة إلى إعادة التزود بالوقود، علماً أنّه من خلال نظام فاعل للتزوّد بالوقود يمكن لهذه الطائرة أن تغطي القارة بأكملها، باستثناء منطقة كاب هورن في تشيلي والأرجنتين».
بدوره، انتقد الرئيس البوليفي ايفو موراليس الاتفاق، متهماً واشنطن باستخدام الحرب على المخدرات كذريعة لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة. ورأى أنّ مقاتلي القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) أصبحوا أفضل أداة لواشنطن لتبرير عملياتها العسكرية في المنطقة. ولا تقتصر معارضة الاتفاق الأميركي ـ الكولومبي على دول المنطقة، إذ بدأت الأصوات المنددة بالمشروع ترتفع داخل كولومبيا، وحتى في أوساط حلفاء الرئيس أوريبي. وفي هذا الإطار يمكن، على سبيل المثال لا الحصر، التذكير بموقف السيناتور الليبرالي خوان مانويل غالان، والسيناتور المقرب من أوريبي خايرو لكوباتوفسكي، اللذين أخذا على الاتفاق تخطيه صلاحيات مجلس الشيوخ، وهو ما أكده أيضاً السيناتور اليساري خورخي روبليدو الذي ذكّر بأنّ المادة 173 من الدستور تنص على أنّ القضايا المتعلقة بالتواجد العسكري الأجنبي في البلاد تقع ضمن صلاحيات المجلس.
وبانتظار ما سيخرج به قادة أميركا الجنوبية في اجتماعهم، الذي تستضيفه الأرجنتين غداً، والمخصص لمناقشة الوجود العسكري في كولومبيا، يبدو أنّ الأجواء «الودية» التي أوحى بها الرئيس الاميركي باراك اوباما خلال القمة الأخيرة لدول الأميركيتين تخفي في طياتها مشروع حرب باردة جديدة ضد اليسار اللاتيني، كانت أولى بوادرها في الانقلاب على رئيس هندوراس مانويل زيلايا. لكن ثمة من يرى أن حرباً كهذه يمكن أن تتحول، استناداً إلى التجارب التاريخية، إلى نزاع ساخن بين حلفاء أميركا، من النخبة الأوليغارشية التي ما زالت تسعى للعودة إلى السلطة بأساليب مختلفة، والمعسكر اليساري الذي ما زال يصارع لتثبيت مشروعه التحرري.
بطاقة تعريف
العاصمة: بوغوتا
المساحة: 1.141.748 كيلومتر مربع (8.8% مياه)
عدد السكان: 42.888.592 نسمة
المجموعات الإثنية: مستيزو (58%)، بيض (20%)، مولاتو (14 %)، سود (4%)، زامبو (3%)، اميركيون أصليون (1.7%).
نظام الحكم: رئاسي
الرئيس: الفارو أوريبي فيليز
نائب الرئيس: فرانسيسكو سانتوس
رئيس الكونغرس: هرنان اندرادي
اعلان الاستقلال عن أسبانيا: 20 تموز 1810
الاعتراف بالاستقلال: 7 آب 1819
اجمالي الناتج المحلي (2009): 327.4 مليار دولار
الدخل الفردي (2009): 8.215 دولار. العملة: البيزو
«مكافحة المخدرات ليست سوى حجة لإقامة قواعد عسكرية في هذا النصف من العالم»
(فيدل كاسترو)
«الاتفاق الأميركي ـ الكولومبي يستهدف «محاصرتنا بالقواعد»
(هوغو تشافيز)
«هذا الموضوع لا يخص فقط بلداً ويختلف معه بلد آخر، الموضوع يقلق الجميع ويعنيهم»
(لويس أيناسيو لولا دا سيلفا)
«الخطة هي لتعزيز القواعد العسكرية الكولومبية لا فتح قواعد أميركية في كولومبيا»
(ألفارو أوريبي)
