يتبارز المحللون العرب والاجانب من المستشرقين والمتأسرلين فيما بينهم بالكتابة حول ما يدور في العالم العربي من هبات وتغيرات قد تهز العالم في ظروف معينة وبمفاهيم معينة. الان نضيف الى هذه المبارزة تفتق الاذهان وزيادة دسم التحليل لما يدور في الساحة الاسرائيلية ذاتها . ان كبرياء اسرائيل وشموخ دعاة نظرياتها من التوراتيين وحتى اليساريين لن تسمح لهم مجرد التفكير بان علماء ومفكري جيرانها سيشحذون نصال افكارهم ويبرزون انيابهم الاستقرائية والاستنباطية لوصف وتحليل فحوى الظواهر الحاصلة في البلاد شمالا وجنوبا . " شماتة الاعداء " ستقض مضاجعهم . وعنجهيتهم لن تسمح لهم بإقرار هذه الحقائق .
اليوم ربما فقط اليوم تصبح دولة اسرائيل بيهوديتها دولة عادية تستطيع ان تضاف الى عائلة باقي الدول المتواجدة على الكرة الارضية . اليوم وفقط اليوم يستبان بالدليل القاطع بانه في هذه البلاد لم يكن شيئا يدعى يسارا او يمينا اقتصاديا . ما يجري ميدانيا هو اول محاولة شعبية في مثل هذا الحجم لإيصال الصرخة الاقتصادية والتي من الممكن الادعاء بانها يسارية على الرغم من محاولة اطراف قيادة النضال الخيميّ التهرب من هذه الحقيقة.
لقد صرخ الحزب الشيوعي الاسرائيلي من خلال كل تاريخه منذ اليوم الاول لقيام هذه الدولة صرخته الماركسية داعيا يهود اسرائيل الربط بين الاقتصادي والسياسي ، بين لقمة الخبز والاحتلال وبالمقابل قام دعاة اسرائيل وشيوخ نظرياتها بمحاربة هذا الربط من خلال تشويه المفهوم العلمي والحقيقي للسياسة ووصفها بالزنا واقرانها بمفاهيم المصلحجية والذاتية والانانية وما الى ذلك من سطحيات .
ان المتتبع لمسيرة التيارات الصهيونية ولجهابذة الفكر والفلسفة اليهودية الدينية والعلمانية سيدرك تماما ان ما يجري على الساحة الاسرائيلية من هبات واحتجاجات جماهيرية وان كانت تخص الفئات الوسطى التي نسميها ماركسيا الفئات المدنية الوسطى لا تتطابق مع افكار اولئك المشايخ من الرمبام وحتى هرتسل ، منتفيوري ، بيرل كاتسنلسون وجابوتينسكي. حيث ان كل كتاباتهم على الرغم من الاختلافات غير الجوهرية واوصافهم للشعب اليهودي نادت بتمايز اليهودية شعبا وفكرا عن باقي الشعوب . دارت بهم الايام لتاتي الكارثة ووحشيتها لتضعضع من هذه المكانة ويحاسب الربانيون اله اسرائيل الملقب بيهوى على ما حل بهم وكأنه استبدل شعب الله المختار بشعب آخر يحكمهم ويستعبدهم حتى الابادة .
تدور بهم الازمنة وتتحطم من خلالها تلك المسلمات التي بنوها وجعلوا قسما كبيرا منها حقائق ، كانت من ضمنها اقامة دولة اليهود . مسلمات الفكر الاسرائيلي ( ليس فقط بمفهوم دولة اسرائيل ، فالمصطلح العبري يتحدث عن فلسفة اسرائيل ) المقرونة بالصهيونية تتناول الاقرارات التالية :
- وحدانية الامة اليهودية
- النظام الامومي في تحديد الهوية الشخصية بواسطة صلة الرحم والدم عن طريق الام ، الامر المتوارث من القبائل البدائية قبل الانتقال الى نظام الابوية.
- التوراة والدين والتداخل بين الدين والعرق.
- نور للشعوب
- مجتمع غير طبقي، لا بل خالي من الطبقات تجمعه التوراة ولغتها ووجود العدو المشترك والخالد.
هنالك العديد من المواصفات لا نستطيع حصرها هنا. لنتوقف عند المسلمة الاخيرة والتي بدأت تُدحض للتوّ .
ان العمل الايديولوجي التي قامت به التيارات الصهيونية قبل قيام الدولة في اوروبا الشرقية وبعد قيامها حين تمأسست هذه التيارات وتغلبت النخبة "الاشكنازية " "الاشتراكية " الجذور لحدّ ما ( بقايا البوند وعمال صهيون وأحدوت هعفودا ) كان كفيل بغسل الدماغ السيكولوجي لدرجة الايمان والادمان والاكستازية المفرطة بصدق ادعاء اللاطبقية ووحدة الحال بين العامل اليهودي والبرجوازي اليهودي .
سكان الخيم وليس المخيمات غير مدعوين للسير وفق " الوصفات " الماركسية حيث ان جوهرهم الطبقي الذي سبق ووصفناه بالوسطية المدينية يستدعي تعاملا بحس مرهف وموزون يأخذ بعين الاعتبار مصالح هذه الفئات وتركيبتها الاجتماعية- الاقتصادية المركبة والمعقدة. احيانا تعجز الماركسية والتحليل الماركسي – الطبقي عن التشخيص الدقيق لمثل هذه الحالات المركبة ، علما ان دقة التشخيص تشكل نصف العلاج . بما اننا اعترفنا بحقيقة تحول هذه المؤسسة ( دولة اسرائيل بيهوديتها ) لدولة عادية فبالتالي يحق لنا التأكيد على المقولة القائلة بان اسرائيل كفكر، تأسيس وممارسة هي مقولة طبقية بكل ما تعنيه الكلمة.
علم الاقتصاد الماركسي والرأسمالي يعترف بوجود ما يسمى بالأعجوبة الاقتصادية وتاريخ هذا الاقتصاد يشهد على عدة معجزات كالمعجزة الالمانية واليابانية والاسرائيلية. المعجزة الاسرائيلية برزت في العقدين الاوليين من قيام الدولة واجتذبت اهتمام كبار الاقتصاديين- السياسيين في العالم. لكن كل هذا لم يأت من فراغ اولا ، ولكل معجزة كانت اسبابها الخاصة ثانيا . الا ان الخط المميز لهذه الاعجوبات الاقتصادية كان وضعية الحروب واستخدام الديماغوغيا السياسية والاجتماعية واستغلال نكسات الطبقات الضعيفة .
بما ان عهد الأعجوبة الاسرائيلية قد ولّى منذ زمن سحيق وتم الانتقال الى عهود جديدة والى ما بعد الحداثة ،الى زمن ادارة الانترنت والفيسبوك ،فحتى الطبقية هنا تأخذ مفهوما جديدا قد يتحول من خلاله محرك الثورة الاجتماعية من الطبقة الكلاسيكية ( التي بدورها تحولت وتغيرت ) الى تلك الفئات المدينية الراسخة في الخيم في وسط المتنزهات والجادات في المدن الرئيسية .
من التجني ماركسيا ان نطالب هذه الفئات وقياداتها الحالية المضي قدما دون البحث عن السبل الميدانية التكتيكية لجعلها تربط بين الاقتصادي والسياسي . لسان حال فكر اسرائيل يقول " اذا نجحت هذه الفئات وحققت هدفا واحدا من اهدافها ليكونن إيذاء بنبوءة اسرائيل " . حقا ستكون هذه "الأذية." وليعلم حكام اسرائيل ورواد فلسفتها في جامعات القدس وتل-ابيب وحيفا وكبار صحافييها انهم مهما غالوا وبالغوا في غييهم وغطرستهم وعنجهيتهم لدرجة التنكر لمجرد المقارنة ولو الشكلية بين هبة الخيام في اسرائيل وهبات الشعوب العربية فليعلموا انه هذا هو الواقع في الشرق الاوسط وانه لا حل بدون شعوبه وما على فكر اسرائيل سوى الهبوط من برجه العاجي والتعامل مع واقع الحقيقة وليس مع واقع مفتعل .
