*ما أكثر ما كابده الشيوعيون حين دعوا إلى الدولة الواحدة، وأكثر منه ما كابدوه حين حثوا على القبول بقرار التقسيم! فالجانب اليهودي الصهيوني رأى، كما هي رؤيته حتى الآن، في قيام دولة فلسطينية بأيّ حجم خطراً عليه يهدد بوأد مطامعه وإطفاء أحلامه وتبديد أوهامه. والجانب الوطني الفلسطيني رأي في تخصيص أكثر من نصف أرض البلاد لدولة الأقليّة اليهودية ظلماً لا يستطيع ابتلاعه أو التسليم به. وبهذا، اتُهم الشيوعيون ولوحقوا من الجانبين، وأفرز ميزان القوى دولة إسرائيل وغيب دولة الشعب الفلسطيني*
الخامس عشر من أيار يومٌ كان من المنطقي أن ُيعتمد بوصفه يوم العيد الوطني لشعب فلسطين. ففي هذا اليوم من العام 1948، اكتمل جلاء قوات الاحتلال البريطاني عن البلد، وصار من المفروض أن تنشأ دولة الشعب الفلسطيني على أرض وطنه، جنباً إلى جنب إسرائيل التي أجاز قرار التقسيم إنشاءها على هذه الأرض، غياب المنطق، أو بالأحرى تغييبه، قلب الآية، فصار الخامس عشر من أيار هو يوم النكبة.
تغييب المنطق جرى بفعل فاعل، أو بفعل فاعلين كثيرين في واقع الأمر. في هذا الصدد يصح أن يُشار الى ما فعلته بريطانيا، لتنمي الييشوف وتمكّنه من التحول الى دولة، ولتضعف الفلسطينيين وتدمر ما يمكّنهم من الظفر بدولة. كما يصح أن يشار، أيضاً، إلى قصور القيادة الوطنية الفلسطينية عن إدراك طبيعة ميزان القوى وما يمكن وما لايمكن الظفر به في ضوئه. ويصح أن يُشار، أيضاً وايضاً، إلى الدول العربية القليلة التي كانت آنذاك مستقلة أو شبه مستقلة، وإلى عجز قيادات هذه الدول عن توفير ما يلزم لمواجهة الطرف الآخر وتمكين شعب فلسطين من الظفر باستقلاله.
غير أن ما ينبغي التركيز عليه، إذا أريد للرؤية السياسية أن تتركّز على لباب الأمور، هو أن حجم القوى التي تكاتفت ضد مطامح الشعب الفلسطيني الوطنية، لتحول بينه وبين الظفر باستقلاله، كان أكبر وأفعل وأكثر إيغالاً في الشرور من أن يتغلب هذا الشعب عليه.
بين القوى الموجودة على ساحة العمل الوطني، كان الشيوعيون الفلسطينيون، عربهم واليهود، سباقين إلى إدراك طبيعة الوضع الذي نشأ في ظل الدعم الاستعماري للحركة الصهيونية وأطماعها. ومن هنا، دعا الشيوعيون إلى تكاتف العرب واليهود لتحرير فلسطين من الاستعمار البريطاني وتأسيس دولة واحدة يتمتع فيها الجانبان كلاهما بحقوق متساوية. وحين تعذر قيام مثل هذه الدولة، كما هو متعذر حتى الآن، أيّد الشيوعيون الفلسطينيون قرار التقسيم الشهير الذي أجاز قيام دولتين. وما أكثر ما كابده الشيوعيون حين دعوا إلى الدولة الواحدة، وأكثر منه ما كابدوه حين حثوا على القبول بقرار التقسيم! فالجانب اليهودي الصهيوني رأى، كما هي رؤيته حتى الآن، في قيام دولة فلسطينية بأيّ حجم خطراً عليه يهدد بوأد مطامعه وإطفاء أحلامه وتبديد أوهامه. والجانب الوطني الفلسطيني رأي في تخصيص أكثر من نصف أرض البلاد لدولة الأقليّة اليهودية ظلماً لا يستطيع ابتلاعه أو التسليم به. وبهذا، اتُهم الشيوعيون ولوحقوا من الجانبين، وأفرز ميزان القوى دولة إسرائيل وغيب دولة الشعب الفلسطيني.
في العام 1988 بعد ثلاثين سنة من قيام اسرائيل وتغيب الدولة الأخرى، سأجدني واقفاً مع من وقفوا في قصر الصنوبر في الجزائر ليعلنوا تأييداً إجماعياً لوثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني. كنا في اجتماع لمجلسنا الوطني. وكان ياسر عرفات قد تلا للتو نص الوثيقة التي أفرزتها مناقشات طويلة والتي عطرها محمود درويش باللمسات الأخاذة التي فتنت كل من قرأها كما فتنتنا حين استمعنا إليها بصوت القائد الكبير. وجاء التأييد الإجماعي تصفيقاً اتصل على مدى عشرين دقيقة، مازجته عبرات الفرح وتهاليل الأعضاء وغير الأعضاء وزغاريد النساء الجزائريات اللواتي شهدن الاجتماع.
في تلك الوقفة، كنت بجانب القائد الفتحاوي المتميز، خالد الحسن "ابو سعيد". وفيما نحن نصفّق، وجهت إلى الذي لعب دوراً كبيراً في تطوير الفكر والممارسة الفلسطينية نحو مزيد من العقلانية سؤالاً أملاه الموقف: لماذا احتاج الأمر إلى مكابدة آثار النكبة ثلاثين سنة قبل أن نرسم الهدف الذي دعا اليه الشيوعيون منذ ما قبل هذه النكبة؟ ولأن أبا سعيد رحل عن دنيانا فإني لا أبيح لنفسي أن أنشر إجابته ما دام من المتعذر الحصول على موافقته. هذا السؤال قائم حتى الآن، بعد أن تواترت سنون أخرى فبلغت سنوات المكابدة أربعاً وستين، دون أن يتحقق الهدف. لكن جانباً من هذا السؤال صار ملكاً للتاريخ، أما والجانب الراهن منه هو هذا: لماذا تتواصل المكابدة حتى بعد كل هذه السنين؟
أما سؤال الأسئلة كلها فهو هذا: هل تبدّل ميزان القوى في جوهره، هل صار من الممكن حقاً أن تقوم للشعب الفلسطيني دولة مستقلة؟ وسؤال الأسئلة هذا ينداح، فيبرز سيلاً من الأسئلة الأخرى: ما الذي أحدثه التحول الحاسم في الموقف الوطني الفلسطيني، التحوّل الذي جسدته وثيقة إعلان الاستقلال في العام 1988، حين دعت إلى قيام الدولة الفلسطينية في هدى قرارات الشرعية الدولية، أيّ إلى قيام هذه الدولة جنباً إلى جنب دولة اسرائيل؟ وما الذي أحدثته مبادرة السلام الفلسطينية التي أقرها المجلس الوطني في دورته ذاتها التي أقرّت وثيقة إعلان الاستقلال، هذه المبادرة التي أيدّها في حينه اثنان وثمانون بالمائة من أعضاء المجلس؟ هل سار الجهد الفلسطيني، منذ 1988 حتى الآن في الطريق الصحيح لوضع إعلان الاستقلال والمبادرة السلمية في موضع التطبيق. ولماذا لم تقم، إذًا، الدولة المنشودة ولم يتحقق أيّ استقلال؟ هذه الأسئلة وما يتصل بها من شؤون وشجون ستتناولها المقالات اللاحقة. إذ ما دمنا نرى أن وقتاً طويلاً آخر سيمر قبل أن تقوم هذه الدولة، فلا أقل من أن نستثمر بعض هذا الوقت في التحاور حول معيقات قيامها.
