في شباط 2008، في ذروة المعركة الانتخابية الأميركية، جلس المرشح باراك أوباما للحديث مع ناخبين يهود في اوهايو. وكان الهدف أن يبرهن لهم على أنه صديق لإسرائيل، وأن ثمة إشاعات عن مستشارين معادين، وعن جدول عمل خفي، وعن خطط مخبّأة سرية. أراد أوباما مثلا التصالح مع الناخبين اليهود في قضية شخص هو زبيجنيو بريجنسكي.
كان بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر. في أرشيف الصحف يمكن أن نجد عشرات وربما مئات التصريحات التي لم تحبها المؤسسة الإسرائيلية، ممهورة باسمه. إذا كان مستشار أوباما أفربما يكون أوباما معاديًا لإسرائيل حقًا؟ لكن المرشح طمأن فورًا. "أعرف بريجنسكي، وهو ليس واحدًا من مستشاري الرؤساء".
عرضت، الاسبوع الماضي، على أوباما مرة أخرى فرصة أن يذكر بأن بريجنسكي ليس مستشارًا حقا. لكن من الصعب إنكار التشاور مع بريجنسكي عندما يدعى شخصيًا إلى البيت الأبيض، للقاء المستشار الذي يلي الأمن القومي، جيم جونز. كان بريجنسكي واحدًا من المشاركين في اللقاء الذي سرب مضمونه إلى صاحب العمود الصحافي، ديفيد ايغناتيوس من صحيفة "واشنطن بوست". هذا هو اللقاء الذي تناولته العناوين الصحافية (التي أنكرت) والتي تقول إن إدارة أوباما معنية بعرض خطة سلام خاصة، وانها تحاول فرضها على إسرائيل والفلسطينيين. وقد كان موقفه مؤيدًا بطبيعة الأمر.
لم يشارك مستشارا الأمن القومي للرئيس بوش، كوندوليزا رايس وستيف هادلي، في اللقاء. ولهذا لا يمكن أن نعلم ماذا كانا سيقولان حول هذه الفكرة. وليس من الواضح تمامًا ما الذي يفكر فيه أوباما نفسه. استطاع المستشار جونز أن يقول إنه لا يوجد الآن نية لعرض خطة. سارع بريجنسكي إلى كتابة مقالة بين موقفه فيها. كتب من كان مساعد هدم لشؤون الشرق الأوسط، اليوت ابرامز، مقالة هو أيضا هاجم فيها الفكرة وسلوك إدارة أوباما. كل هذا، كما تقول مصادر في واشنطن، جزء من معركة بين مسؤولين كبار في الإدارة مختلفين في مسألة ماذا يجب إن تكون الخطوة القادمة للإدارة.
عرض وصف تبسيطي وجود معسكرين: فمن جهة جونز المتشدد المعني بالضغط على إسرائيل. ومن جهة ثانية دينيس روس، مستشار الرئيس، الذي يطلب الأخذ في الحسبان الضرورات السياسية لبنيامين نتنياهو. ان وصفًا أدق يعرض أطياف الرمادي. فالى جانب جونز وروس يوجد مستشارون لهم مواقف مختلفة ومناقضة.
كل إدارة أميركية هي ميدان قتال بين اشخاص وبين مواقف. وفي ادارة بوش ايضا قامت معركة بين وزيرة الخارجية رايس من جانب ونائب الرئيس ريتشارد تشيني من جانب آخر، وقبلهما بين كولن باول من جهة وتشيني من جهة أخرى. والرئيس في النهاية هو الذي يقرر. ولا يمكن أن نعلم ما الذي سيقرره أوباما، لكن ما يمكن أن نعلمه فقط هو أن لبريجنسكي صوتًا تعنى ادارته في الاستماع اليه.
قد يكون الحديث يدور عن استعمال جوهري، أي ان جونز يجد اهتمامًا حقيقيًا بل ربما يوافق على ما يعرضه مستشار كارتر السابق. وقد يكون استعمال بريجنسكي في هذه المرحلة، كما يعتقد أكثر المراقبين ذوي التجربة في واشنطن، استعمالا تكتيكيًا، اي ان الادارة تذكر حكومة اسرائيل المترددة بأن تجيب على مطالب أوباما بأنه ما زال يوجد مكان تمضي اليه، وان هناك خططًا اكثر ضغطًا في درج الأفكار، وأنه سيكون ثمن للرفض أو لجر الأرجل.
مهما يكن الأمر، تم سلّ المسدس الذي يسمى بريجنسكي، هذا الأسبوع، من قرابه ووضعه على الطاولة. ان من ظل يرتاب في أوباما بعد إنكاره، أثناء الحملة الانتخابية، يستطيع ان يقول الآن ان ارتيابه قد تحقق وأن مصدقي أوباما كانوا سذجًا. اعترف الصحافي اريك بنغرهات، الذي غطى المعركة الانتخابية من اجل "وكالة الأنباء اليهودية"، الأسبوع الماضي، بأنه كان واحدًا من هؤلاء السذج. وانا مضطر بأسى الى الانضمام اليه.
