دعم اوباما للاخوان فجّر غضب الشعب المصري
في هذا الوقت الذي اصبحت فيه السياسة علما منهجيّا يرتكز على أدوات التحليل العلمي، وفي هذا الزمن الذي تحوّل فيه التاريخ الى علم مخبري يقوم على التدقيق بأجهزة وأدوات ومركبات كيميائية تُدقّق في صدق الوثائق والمعطيات، نشهد الآن انحرافا إعلاميّا وحملات تضليل غير اعتياديّة قوامها التزوير والتحريف والتحريض. وعندما تُشرف حركات الإسلام السياسي على هذه الحملات، فإن تأثيرها يكون مضاعفا، نظرا لأنها تُبنى على مراوغةٍ تدغدغ العواطف الدينيّة وتُدلّك الغرائز الطائفية، مما قد يؤول في النهاية الى الفوضى وإراقة الدماء كما يحدث الآن في مصر، حيث تقوم جماعة الإخوان المسلمين وأذرعها التكفيريّة بالمغالطات والممارسات الخاطئة تحت مسمى " الشرعية والدمقراطية ".
الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين في هذا السياق يستلزم العودة الى جذورها التاريخية والعقيدية منذ تأسيسها إلى يومنا هذا. ولعلّ أكثر ما يُميّز سياسية الجماعة منذ تأسيسها هي الميكافيليّة وسياسة الوجهين. فمؤسس الجماعة حسن البنا قام بمخاطبة الآخرين بوجهه السلمي بينما كان اعوانه في التنظيم السري يقتلون خصومه من السياسيين، واذا افتضح امره كان يسارع للتبرؤ من اتباعه قائلا: "ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين" فكان في الظاهر منسجما مع هامش نظام "ليبرالي ديمقراطي"، اتاح له الانتشار لينشئ عشرات الآلاف من شُعب الإخوان في ربوع مصر كافة، وأن يتحرك بحريّة تامّة استطاع من خلالها ان يعقد الاتفاقات والصفقات العلنية والسرية، تارة مع الملك وتارة مع القيادة البريطانية والدولة السعودية وغيرها، وكان اوّل دعم مالي تلقاه هو مبلغا مقداره خمسمئة جنيه وهو مبلغٌ يعتبر كبيرا في تلك الحقبة التاريخية، حصل عليه من شركة قناة السويس الفرنسية التي أممها القائد الراحل جمال عبد الناصر فيما بعد.
لم يكتف البنا بهذه المساحة من الحرية، فاغتال تنظيمه رئيس وزراء مصر آنذاك محمود فهمي النقراشي المعروف بـ" النقراشي باشا"، واغتال القاضي احمد بك الخازندار، بينما تختلف الروايات حول مقتل رئيس الوزراء احمد ماهر باشا في سنة 1945، فهناك من اعتبر المدعو "محمود العيسوي" الذي نفذ عملية الاغتيال اخوانيّا، وهناك من اعتبره محسوبا على الحزب الوطني. واستمر حسن البنّا وتنظيمه في التآمر على "النظام اللبرالي" بمؤامرات الاغتيال، فرد عليه النظام بالمثل واغتاله. ثم تآمر اتباعه من بعده على ثورة الضباط الأحرار والتي دعموها في البداية، فكانت محنتهم التي جعلتهم اكثر احترافا في الخداع والتزوير. ليعودوا في عصر حليفهم أنور السادات ويتحكموا في الثقافة والاعلام والتعليم والأزهر مما حوّل التدين المعروف بتسامحه في مصر لتدين آخر يميل الى التعصب، ثمّ ردوا الجميل للسادات باغتياله على ايدي "جماعة التكفير والهجرة" التي خرجت من تحت عباءة الإخوان.
*تبنّي الديمقراطية والانقضاض عليها..*
قد يحتاج الاخوان الى الديمقراطية كوسيلة للوصول للحكم ولكن بناءهم العقيدي والأيديولوجي يُحتّم عليهم الانقضاض عليها عند أول فرصة، كما ان تاريخهم الطويل الحافل بالجرائم والصفقات المشبوهة قد أثبت بأنهم متسلطون، استبداديون، وغير ديمقراطيين، بل لا يستطيعون حتى لو أرادوا، أن يكونوا ديمقراطيين، لأن هذا يتنافى مع عقيدتهم. فمعلّمهم الكبير سيد قطب الذي يعتبرونه شهيدا في أدبيّاتهم، قد أكد لهم في كتابه "معالم في الطريق": "ان من قال إن التشريع من حق البشر فهو ليس بمسلم: والديمقراطية أولا وأساسا هي حق البشر في التشريع لأنفسهم". والسؤال هنا: أي منهج سيقود الإخوان في المرحلة القادمة؟ المنهج القطبي التكفيري؟ ام توصيات مؤتمرات الجماعة الإصلاحية المعارضة للأيديولوجية المتصلبة المتطرفة؟
إن انتهاء تجربة مرسي نتيجة طبيعية لممارسات خاطئة ومتراكمة: لقد كان تنصيب محمد مرسي يوم 30 يونيو (حزيران) سنة 2012 قمة نجاح المشروع الإخواني في مصر، لكن هذا المشروع سرعان ما سقط، في 30 يونيو (حزيران) 2013، أي بعد عام واحد من التجربة، عندما خرج عشرات الملايين من المصريين الى الشوارع وطالبوا برحيل مرسي في مشهد سلمي ابهر العالم، وطوفان بشري لم يعرفه تاريخ الثورات من قبل.يبدو ان الإخوان المسلمين الذين خططوا لخلافة إسلامية قاعدتها مصر منذ خمسة وثمانين عاما، لم يتعلموا من دروس التاريخ، على سبيل المثال لا الحصر، عزل "نيكسون" الذي كان رئيسا لأمريكا التي تُعتبر اقوى دولة في العالم تعتمد "الدمقراطية الإجرائية" لأنه خالف القوانين، بل أخطأت الجماعة حساباتها حين ظنّت بأن صندوق الاقتراع وحده سيمنحها الحصانة التامّة، فحاول مرسي اعفاء نفسه من المساءلة القانونية، وأراد الانقلاب على الدمقراطية من خلال السيطرة على جميع سلطات الدولة بما في ذلك القضاء. وانتهج في سياسته صيغة العزل والإقصاء تجاه كل من لا يحمل الهوية الإخوانية ولم يطرح أي رؤية قد تحقق التنمية او تحسّن من اوضاع الشعب المصري، وتعامل باستهتار مع مشروع سد النهضة الأثيوبي الذي يشكل خطرا بالغا على أمن مصر القومي، بينما صرف جهوده في خدمة مصالح الجماعة. فلم يتخيل مرسي أن الذين أدخلوه مكتب الرئاسة بالاقتراع، باتوا من المحتشدين ضده في مدن مصر بأعداد تفوق اضعاف من انتخبوه، بغية عزله وجماعته، وهم بذلك قد اكتسبوا شرعيتهم من هذا الزخم الكبير. لم تقتصر أخطاء مرسي على أسلوب الإدارة المحلية، فلقد فشل ايضا في السياسة الخارجية حيث إن تحركاته العشوائية غير المدروسة أفقدت مصر جزءًا كبيرًا من كرامتها وهيبتها، اضافة الى وجود عجز دبلوماسي كبير في التعامل مع بعض الدول مثل سوريا واثيوبيا. امّا بالنسبة للقضية الفلسطينية، والتي لطالما استخدمها الإخوان المسلمون كورقة ضغط على نظام حسني مبارك، فمنذ ان تولى مرسي الحكم لجأ الإخوان إلى تبني خطاب مزدوج، واحد يؤكد على دعم الحق الفلسطيني، وهو يستخدم في الداخل، وآخر لا يكف عن بعث رسائل الطمأنة لأمريكا، وهو يستخدم في الخارج.
أما على الأرض، فقد قام مرسي بلعب دور الضامن في اتفاق الهدنة الأخير بين إسرائيل وحماس، ولم يتخذ أي خطوة واحدة في سبيل إنهاء الحصار الإسرائيلي على غزة، بل إنه قام بتدمير الأنفاق بين غزة ومصر، وهو ما لم يتجرأ مبارك نفسه على فعله. والمفاجأة التي لا تقل عن كل ما سبق، هي الرسالة التي وجهها الرئيس محمد مرسي إلى نظيره الإسرائيلي، والتي حملت الكثير من عبارات الغزل مثل: "صديقي العزيز والعظيم"، "اتمنى لشعبكم مزيدا من الازدهار والرغد"، "صديقكم الوفي: محمد مرسي" وغيرها من عبارات التزلّف، مما أصاب الشارع المصري والعربي بالصدمة. لكي لا نقع في الفخ ونجد انفسنا نتشدّق بـ "دمقراطية وشرعية زائفة"، ينبغي علينا ان نعرف بأن الدمقراطية هي نشاط انساني يرتكز على أسس ثقافية وحضارية ويعبر عن التعددية واحترام خصوصيّات وحقوق الجميع، وان الدمقراطية لا تعني ابدا تسلط أكثريّة على الآخرين، وما دام الأمر كذلك فمن الإجحاف ان نختزلها بصندوق الاقتراع، لأن الدمقراطية الحقيقيّة تكمن في الممارسة الصحيحة لمضمونها والذي يُحتّم على المصريين في هذه المرحلة المفصليّة، احترام شرعية عشرات الملايين من المصريين الذين نزلوا الى الشوارع، كما يستوجب توافقا وطنيا شعبيا قائما على أساس نبذ العنف وتبريره أو تغطيته.
