*معضلة مركَّبة – يصعب الحكم عليها بأبيض أو أسود*
ما يجري في سوريا أمر موجع، يؤلمنا جميعًا حتى يلامس جذور أعصابنا. ننظر إلى شاشة التلفاز، فنعجب كيف لحاكم ان يدك منازل أفراد شعبه بالمدافع والراجمات ويهدمها فوق رؤوس اطفالها ونسائها وشبابها وشيبها ويحولها إلى أنقاض، ويجرد عليهم حملة شعواء ويواجههم بالدبابات وبأنواع الأسلحة الفتاكة. هل هكذا يواجه حاكم المظاهرات التي كانت سلمية، والتي أمام هذا العنف تحولت إلى حركات مسلحة؟!
ويتساءل المرء كيف كانت انقضت حوالي ثلاثة أشهر من قيام الانتفاضة السورية حتى كلف الأسد نفسه أمر الظهور ومخاطبة الناس؟! يبدو انه يستنكر ويعجب كيف يجرؤ هؤلاء على التظاهر ضد نظامه، ألم يسمعوا "بحق الملوك الإلهي" الذي بموجبه يهب الله الأرض وما عليها من شجر وحجر وبشر لمليكها المعظم؟! الم يسمعوا ما كان يردده ملوك فرنسا منذ لويس الرابع عشر ومن بعده: "أنا الدولة، والدولة أنا" وكل ما عداي موهوبون لي وموقوفون على خدمتي وإرضائي.
يبدو ان الشعب السوري أراد كسر مقولة "حق الملوك الإلهي" ومقولة "أنا الدولة، والدولة أنا"، وأراد ان يحل محلها مقولة، ان الحاكم والوزير وكبار الموظفين وصغارهم وقادة الجيش وجنودهم هم مجرد خَدَم لسيدهم الشعب، وُجدوا ليخدموه، وان للشعب ان يعزلهم وان ينصّب خدمًا آخرين بدلا منهم يأتمرون بأمره، ويخضعون لرقابته وإرادته، ويعملون على رفاهيته، وشتان ما بين العقيدتين. وبناءً على هذه العقيدة تظاهر الشعب السوري سلميًا لنزع الثقة عن حاكمه الذي يحكمه حكمًا قمعيًا استبداديًا.
في سوريا لأسفنا الشديد معضلة حادة وأزمة معقدة، اختار النظام الحاكم ان يحلها حلا عسكريا دمويا، وان يقف أمام شعبه شاهرًا السلاح بدلا من البحث عن حل سلمي. في البدء أراد المعارضون والمتظاهرون الحوار مع النظام ولكن النظام أبى واستكبر، واحتاج الأسد ثلاثة أشهر من التظاهر السلمي ليظهر على شاشة التلفاز ويخاطب الناس!! أما الآن، وبعد كل الدماء التي سالت والدمار الذي حل فانه يريد الحوار، ولكن المعارضة لا تريد. مضت حوالي سنة كاملة حتى الآن لم يستطع فيها النظام ان يحل المعضلة وان يفك الأزمة. لم يسعفه الحل العسكري الدموي الذي ظن انه سيسعفه ويخمد أنفاس معارضيه، بل ورّطه أمام الرأي العام العالمي الذي يشاهد هذا القتل الوحشي وهذا العدد الهائل من الضحايا من الأطفال والشباب وهذه الدماء الزكية التي تخضّب شوارع المدن السورية وساحاتها. انه الآن، بعد هذا الخراب، يدعو للحوار معلنا عن خطة إصلاح لا يثق الشعب بصدق نواياه فيها.
- *مركبات وتعقيدات*
وتوضيحًا للمعضلة السورية الحادة والمعقدة، سأحاول ان أتطرق إلى مركباتها وتعقيداتها، وان أبين صفات النظام البعثي السوري الاسدي السلبية والايجابية، ومن يقف معه ومن يقف ضده في الداخل السوري وفي الخارج، وما هو الحل الممكن أو المطلوب بناء على كل هذه المعطيات. وفيما يلي أضع العناوين التالية لمحاولة فهم المعضلة:
1. صفات النظام السوري الايجابية:
- خط سياسي عام ضد الاستعمار ومشاريعه في الشرق الأوسط والمنطقة.
- خط سياسي مؤيد وداعم لحركات المقاومة. نظام ممانع.
- نظام علماني.
- أعلن النظام عن برنامج إصلاح وعن كتابة دستور جديد جرى الاستفتاء عليه.
2. صفات النظام السوري السلبية:
- حكم دكتاتوري. حكم الحزب الواحد والرأي الواحد، يحرسه ويسانده حزب واحد هو "حزب البعث" الذي يعتبر مبادئه ودستوره كأنها نصوص مقدسة نزلت من السماء.
- حكم رئاسي وراثي.
- حكم قمعي استخباراتي دموي، يعتقل كل من يعارضه بدون قرار محكمة أو تفويض من قاضٍ.
- حكم يمنع حرية الرأي، ويتصدى لكل صاحب رأي أو رؤيا، مما أدى إلى الاعتقالات السياسية: سجناء الحرية.
- لا توجد انجازات اقتصادية أو عمرانية أو اجتماعية يمكن الإشارة إليها.
- مستوى معيشة متدنًّ، ونسبة بطالة مرتفعة، وأجور لا تسد الحاجة.
3. تحالفات سياسية:
يشكل النظام السوري مع إيران وحزب الله وحماس جبهة مقاومة وممانعة للمشاريع الاستعمارية في الشرق الأوسط، المعادية لشعوب المنطقة، والطامعة بثروتها، والطامحة إلى تقسيمها وتفتيتها، وتحويل انتمائها القومي إلى انتماءات طائفية ومذهبية، وتحويل دولها القومية إلى كيانات طائفية ومذهبية هزيلة يسهل السيطرة عليها. حلم الاستعمار منذ ان كان.
4. من يقف مع النظام داخل سوريا:
- يقف مع النظام في الداخل السوري الطبقة البرجوازية السورية التي تمتلك الصناعات الخفيفة والمتوسطة، وورشات العمل الكبيرة والمتوسطة، وكبار التجار في حلب ودمشق.
هذه الطبقة من أصحاب رأس المال الصغير والمتوسط والكبير تحب الاستقرار السياسي، استقرار الحكم، وتخشى الثورات والتغييرات الراديكالية، لأنها تخشى على رؤوس أموالها، فرأس المال دائمًا جبان. الأمر الذي يعطي بعدًا طبقيًا للمعضلة السورية.
- يقف مع النظام أيضًا الأعداد الغفيرة من أعضاء حزب البعث الاشتراكي، المثقفين سياسيًا، والذين يُعتبرون طليعة هذا النظام.
- يقف مع النظام جيش عقائدي، تربّى على مبادئ حزب البعث ووجوب حمايته والمحافظة عليه على سدة الحكم والتصدّي لكل من يقف في وجهه. ويقف على رأس الفرق المختارة منه قادة علويون مخلصون للحاكم الفرد وحريصون على بقائه في الحكم. وهذا الجيش إلى جانب حزب البعث والطبقة البرجوازية هم السند الحقيقي لهذا النظام وهم من يمكّنونه من الصمود حتى الآن.
- كذلك يقف مع هذا النظام العلمانيون الذين يخشون على العلمانية من الزوال إذا زال النظام.
- يقف مع النظام، الطائفيون من شتى الطوائف، أو "الأقليات الدينية" وهي كثيرة في سوريا، الذين يعتقدون ان هذا النظام "يحمي الأقليات الدينية"، والذين نظرًا لضعف انتمائهم القومي، أو لخوفهم من حكم الأكثرية، يلجأون إلى الانتماء الطائفي، وهو مرض خبيث إذا أصاب قومًا واستفحل فيهم يفتتهم ويمزقهم ويحولهم إلى فرائس سهلة للمستعمر والطامع. ولا يَشفى هؤلاء من مرضهم الطائفي الخبيث هذا، إلا إذا جعلوا انتماءهم القومي هو الأساس وهو الجامع الذي يجمع كل فئات الشعب تحت سقف واحد، وهذا الأمر ينطبق على جميع الطائفيين في شتى أقطار العالم العربي.
- كذلك يقف مع النظام فئات المنتفعين والانتهازيين.
5. من يقف ضد النظام داخل سوريا:
- يقف ضد النظام في الداخل السوري طبقات الشعب الفقيرة من العمال العاطلين عن العمل، ومن ذوي الدخل المحدود الذي لا يسد حاجات المعيشة، ومن ذوي الكفاءات الذين لم ينجحوا في الحصول على عمل بموجب كفاءاتهم. هذه الشريحة العريضة من الشعب السوري، غير المؤمَّنين طبيًا أو اجتماعيًا أو من أي نوع، التي خبزها كفافها، هي في الأساس من يقف في وجه النظام، الأمر الذي يعكس بعدًا طبقيًا.
- كذلك يقف ضد النظام "الاخوان المسلمون" الذين نكّل بهم النظام في الثمانينيات من القرن الماضي واوقع فيهم آلاف القتلى، والذين يصبون إلى الاستيلاء على الحكم.
- كذلك المتذمرون المقموعون من المثقفين وأصحاب الرأي ومن فئات الشعب الأخرى الذين فاض بهم الكيل وعيل صبرهم من مظالم الحكم، وكمّ الأفواه.
6. من يقف مع النظام خارج سوريا:
- تقف مع النظام خارج سوريا حليفته الأولى والرئيسية إيران.
- تقف معه كذلك حليفته الثانية حزب الله في لبنان.
- تقف معه أيضًا الدولتان العظميان، صاحبتا حق الفيتو، روسيا والصين. فروسيا تربطها بسوريا علاقات وطيدة قديمة منذ عهد الاتحاد السوفييتي وحتى اليوم. ولها مصلحة في استمرار هذه العلاقة للمحافظة على موطئ قدم لها على الشاطئ السوري، في المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط.
- والصين أيضًا تربطها بسوريا علاقات قديمة ومصالح مشتركة.
- والدولتان العظميان تريدان ان تشعرا الغرب وعلى رأسه أمريكا بأنه لا يستطيع ان يفعل ما يشاء ويقرر ما يشاء في هذا العالم. وتريدان ان تقولا له: نحن هنا، لا تحاول تجاهلنا أو الاستخفاف بنا. نحن أيضا لنا مصالح في هذه المنطقة نريد الحفاظ عليها، فها هي منابع الغاز تتفجر في أعماق الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.
7. من يقف ضد النظام خارج سوريا:
- "المجلس الوطني السوري" المناهض للحكم والذي يتواجد أفراده في دول أجنبية خارج الأراضي السورية، وهم لا يتورَّعون عن طلب التدخل العسكري الغربي الذي قد يؤدي إلى كارثة في سوريا كما حدث في ليبيا. كذلك فهم يطالبون بتسليح المعارضة السورية في الداخل، مما قد يؤدي إلى تهريب السلاح إلى جهات طائفية وفئوية، وقد يتسبب بحرب أهلية قد تؤدي إلى تفتيت سوريا وانقسامها وتدميرها كدولة. وهم يشكلون، وفقًا لتصريحاتهم، حوالي 20% من المعارضة، بينما 80% منها موجود في الداخل السوري.
- يقف ضد النظام خارج سوريا أيضا الدول الاستعمارية: أمريكا والاتحاد الأوروبي بحلفهما الأطلسي، التي سعت ولكنها فشلت في إنشاء "شرق أوسط جديد" تكون إسرائيل المسيطرة والمتحكمة فيه، والتي تعتبر ان سوريا وحلفاءها تقف حجر عثرة في سبيل إنشائه.
- تقف ضده أيضا إسرائيل بكل قوتها العسكرية والاستخباراتية ومساندة دول الغرب لها.
- وتقف ضده الدول العربية الموالية للغرب بقيادة قطر والسعودية والتي هي أدوات طيّعة يستخدمها الاستعمار لخدمة مآربه في البلاد العربية.
- *هكذا برمجهم سادتهم *
أعداء سوريا المشار إليهم أعلاه، لم يستفزهم ولم يستنفرهم ما يحدث للشعب الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى الآن من تهجير وتطهير عرقي، ومن القمع، والاهانات والتفتيش المهين على الحواجز، والقتل، وسرقة الأرض وانتحالها ومصادرتها وتهويدها. ولم يستفزهم ولم يستنفرهم تهويد القدس، واستهداف المسجد الأقصى، والحفر تحت أساساته، والمحاولات المستمرة للاستيلاء عليه بالقوة، واستباحة المستوطنين والمتطرفين له. ولم يرفعوا أصواتهم احتجاجا على المداهمات المنهجية شبه اليومية لمنازل الفلسطينيين في ظلمات الليالي. لم تستنفرهم مذبحة غزة الرهيبة، وتجاهلوا إقامة الأسوار العالية في الأراضي الفلسطينية، لعزل الشعب الفلسطيني والحيلولة دونه ودون حقه في إقامة دولته وتقرير مصيره، وتركوه يواجه مصيره وحده. فلم يقوموا قومة رجل واحد لنصرة قضايا الفلسطينيين التي تجاهلوها، ولم يوجعهم سوى المعضلة السورية، لأنه هكذا برمجهم سادتهم في أمريكا وفي أوروبا، فقاموا قومة رجل واحد لتقويض أركان الدولة السورية.
كما ان هؤلاء لم يتألموا لألم الشعب البحريني وتجاهلوا معاناته. ولذلك فان حماسهم ضد النظام السوري، وحملتهم على الأسد، ليست لوجه العدالة واستنكارًا للظلم، بل هي حملة لمصلحة القوى الاستعمارية وخدمة كلفهم بها أسيادهم.
هذا هو الوضع المركب في سوريا وخارجها. صحيح ان الحكم في سوريا هو حكم دكتاتوري استبدادي دموي قمعي استخباراتي متسلط، حكم الحزب الواحد المؤلّه، حكم يخشى على سلطته من الزوال فيتّبع أسلوب البطش الوحشي بمعارضيه. لكنه من الجهة الأخرى حكم ممانع مقاوم للمشاريع الاستعمارية الهادفة إلى السيطرة على المنطقة وخيراتها وثرواتها، والوقوف أمام تطلعات شعوبها بالحرية والديمقراطية وتحقيق الذات. وهو حكم داعم لحركات التحرر والمقاومة في العالم العربي. وفي هذه الفترة بالذات، فترة الثورات والانتفاضات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي، والتي تنشط فيها الدول الاستعمارية وعملاؤها من العرب محاولين حرف هذه الثورات عن مسارها وأخذها إلى مسارات أخرى متساوقة ومتهادنة مع رغبات الدول الاستعمارية. في هذا الوقت بالذات تبرز أهمية الموقع السوري الممانع والمقاوم لمشاريع الغرب الاستعماري. إن أهمية موقع سوريا المقاومة لمشاريع الاستعمار في المنطقة العربية، أهمية مصيرية. فإذا سقط النظام السوري الآن، فستضعف قوى الممانعة في منطقتنا العربية حتمًا، وستسقط معه أحلام شعوب المنطقة بالحرية والديمقراطية وطرد المستعمر، ولن تقوى هذه الشعوب على الصمود، بل قد تنهار، إذا قامت حرب إقليمية مدمرة تلوح مؤشراتها في الأفق.
إن الذين يقفون مع النظام السوري على الرغم من دمويته وقمعيته، يضعون أمامهم سلم أولويات يقول: ما الأهم في هذه الظروف الدقيقة التي تحمل في طياتها خطر نشوب حرب إقليمية لا تبقي ولا تذر، والتي يتكالب فيها الاستعماريون على إجهاض الثورات العربية، واحتوائها، وحرفها عن مسارها، وفرض أجندتهم الاستعمارية على الشعوب العربية. ما الأهم: القضاء على نظام البعث في سوريا، أم الإبقاء عليه إلى ان تنجلي الغيوم المتلبدة في سماء المنطقة؟! إن سقوط النظام في هذه الظروف قد يعني سقوط الدولة السورية أيضًا، وتفككها وتفتتها إلى كيانات طائفية هزيلة تكون ألعوبة في يد الأعداء، وتعود بالشعب السوري وطموحاته بالحرية والديمقراطية التي ثار الشعب من اجلها إلى الوراء. كما ان سقوط سوريا في هذه الظروف، سيكون وبالا على القضية الفلسطينية، وقد يؤدي إلى تصفيتها. إن سوريا مستهدَفة بسبب موقعها الجغرافي السياسي الهام، وبسبب مواقفها السياسية والقومية، وسقوطها في هذه الظروف ستكون له نتائج كارثية.
لهذا كله فان من يخشى على سوريا الدولة ودورها الهام، عليه ان يدعو إلى الحوار بين المعارضة والنظام للوصول إلى حل وسط يرضي الطرفين. وإذا تعذر ذلك لكثرة ما سال من دماء، وما سقط من الضحايا، وما حل من دمار وخراب، ولكثرة ما في السجون من أسرى حرية، فان على الدول العربية التي تحررت حديثًا وأسقطت أنظمتها الفاسدة، مثل مصر وتونس واليمن وليبيا وغيرها من الدول العربية، ان تضع كل ثقلها ونفوذها على طرفي النزاع وان تطرح مشروعًا، على وجه السرعة، لتهدئة الأوضاع أولا، ثم للمصالحة والإصلاح ثانيًا. حل وسط تقبل به المعارضة والنظام، ويناضل الشعب في ظله نضالا سلميًا لتحسين منجزاته إلى ان يحقق طموحاته كاملة في العدالة والديمقراطية والحرية.
(عكا)
