*وعلى رأس السلطة المحلية، إلى ساحات النضال المباشر إلى فن الأدب والقصة والشعر المقاوم*
في مجرى ممارسة الإنسان لمهام حياته العادية، ومشوار عمره سواء الطويل أو القصير، في عالمنا الواسع والمتقلب يحاول ان يعيش حالة طبيعية، ولكن تبدو متداخلة في تناقضاتها الناتجة عن تطور المجمع وانتقاله الطبيعي من حالة إلى أخرى، تبدو أكثر تقدمًا وانفتاحًا. ولهذا تحدث لهذا الإنسان أو ذاك وللمجتمع ككل الكثير من الممارسات والعقبات وترتكب الأخطاء وتسجل الانزلاقات والهفوات التي لم يكن يقصدها هذا الذي اسمه الإنسان، فإذا كان كذلك، كيف عندئذ يكون ويبدو الأمر مع الإنسان الشيوعي والمناضل الثوري، الذي سعى ويسعى بجهد ومثابرة لتغيير مجرى حياته والآخرين في عملية تبدو معقدة لتغيير العالم الذي يعيش فيه تعيسًا، بهدف ان يحقق لغيره ونفسه عالم الحرية والازدهار والسلام وتطبيق العدالة الاجتماعية بين بني البشر، في الوقت الذي يواجه فيه هذا الشيوعي وذاك الوطني من قبل أخيه الإنسان ومن أعداء الحرية والعدالة أسوأ الاحتمالات بالقتل والحديد والنار والسجن والقمع والاضطهاد والتمييز. ولا يجد هذا المكافح الوطني والثوري القوتَ في بيته ليطعم أولاده وعائلته.
في مجريات الكفاح اليومي ومعترك الحياة، ومن اجل تحقيق ذلك وممارسة وتطبيق الأفكار والمبادئ على البشر وفي حياة المجتمع الإنساني، إذ تقع أخطاء وترتكب معاصٍ وتسجل مآخذ على هذا الإنسان أو ذاك، فارتكاب أفعال وسريان تصرفات وسلوكيات لا تخدم كفاحه ولا الصالح العام، إذ في مراحل معينة ومتقدمة مع طالع السنين والعمر والأيام يفتح التاريخ سجله الحافل بالذكريات والعطاء والتضحيات، ولا بد ان يكتشف هذا الإنسان وهذا المناضل الشيوعي ان سجله يحوي بعض الهفوات والمآخذ المعكورة، التي ربما تظهر له بعد فترة وأثناء مراجعتها ثانية ودراستها مجددًا، وحكم عليها الزمن بالفشل وعدم المصداقية مع عابر الأيام بحيث يجري إعادة التفكير بها مجددًا، كي يتعلم منها كي لا تتكرر ثانية.
لكن مهما كانت تلك الأخطاء والتصرفات والسلوكيات، إلا أنها تبقى صغيرة وهامشية جدًا أقزم من ان تطفوَ على السطح لتبقى نقطة في محيط بحر العطاء والتضحيات الجسام، إذ لا تستطيع صفحات التاريخ الناصع لهذا الشيوعي المناضل العنيد والمعطاء أن تسجلها او ان تلتقطها، مثلما لا يستطيع أي إنسان أيًا كان، ان يتناسى أو يهمش أو يغيب أو يتجاهل السجل والتاريخ النضالي الغني جدًا والمحفور في قلوب وذاكرة جماهير شعبنا عامة، وفي الشاغور والجليل والمثلث، لذلك الإنسان الناصع والمخلص بالعطاء والتضحيات، للشيوعي الكادح والمثقف الثوري والمناضل الأصيل والعريق الشاعر والكاتب حنا إبراهيم الياس (أبو إبراهيم)، ابن البعنة السمراء والحمراء في ذلك الزمن، وابن الشاغور الأشم وابن الجليل وفلسطين الأغر في مسيرة فداء وعطاء وتضحيات، امتدت على مدار ما يزيد عن سبعين عامًا إلى الوراء، سطر فيها أبو إبراهيم حنا إبراهيم أحلى واسعد أيام حياته الكفاحية عبر تضحيات جمة تخللتها أيام حالكة السواد وشاحبة المعيشة من الملاحقات والاعتقالات والمطاردات، وأيام سجن ونفي وصلت حد الاهانات الشخصية والحزبية وقطع الأرزاق، وهدر الدم في مسيرة كفاح وطنية شيوعية قل مثيلها، عندما كان للكفاح والنضال رجال مثل حنا إبراهيم وحسن البكري وحبيب زريق ونديم موسى وجمال موسى ودمتري خوري وخليل خوري والقائمة طويلة والذين دفعوا ثمنًا غاليًا دفاعًا عن هذا الشعب. هذه الجماهير الصامدة والصابرة الباقية الراسخة في تراب الوطن الذي لا وطن لنا سواه والصامدة والباقية كبقاء وصلابة جبال وصخور الشاغور والجليل والكرمل في مكانتها دون حراك.
*نشأته ووعيه النضالي أوصله إلى صفوف الحزب*
ولد الشاعر والكاتب الشيوعي والمناضل الثوري الرفيق أبو إبراهيم حنا إبراهيم حنا الياس، في شهر تشرين الأول سنة 1927، في قرية البعنة في الجليل الغربي قضاء عكا، شمال فلسطين الأبية - وها هو أبو إبراهيم يشارف على بلوغ الجيل الذهبي والوصول للقمة في مناطحة الزمن للوصول وبلوغ القرن، آملين تحقيق ذلك – لعائلة عربية فلسطينية فلاحة امتلكت جزءًا بسيطًا من الأرض لفلاحتها كي تعتاش منها عبر الايام والتي تألفت من خمسة أنفار. كان حنا إبراهيم مع والده وأخيه الأصغر يعقوب عماد البيت والعمل يعملان جنبًا إلى جنب مع والدهما إبراهيم الياس في كافة الشؤون الحياتية، وأهمها الأرض وتحضيرها للزراعة وجني المحصول منها.. وكانت الأوضاع المعيشية لجميع الناس في فترة حكم المستعمرين الانجليز قاسية جدًا ولكن المحبة والتسامح وروح التعاون وقيم الوحدة هي ما كان يعوض عليهم تحت سلطة البريطانيين. ذاق الرفيق حنا إبراهيم الياس في صغره وعلى مدى سنوات طوال شظف العيش ومرارة الحياة وقساوتها، وخاصة زمن حكم البريطانيين لفلسطين، ونشوب الحرب في 1948 واحتلال الوطن من قبل العصابات الصهيونية والاستيلاء على القرى والبلدات العربية وهدمها وترحيل أهلها إلى خارج الوطن، وحلول نظام التصاريح وتقييد حرية العمل والتنقل والسفر وفرض الحكم العسكري مع بداية سنوات الخمسينيات.
تميز حنا إبراهيم في حياته بالجرأة والبلاغة وحبه للعلم والمعرفة إلى جانب حبه للأرض والفلاحة والزراعة، فكان مفعمًا بالروح الوطنية الثورية وهو في جيل من حلى حياته الأولى. فكان أبو إبراهيم ذلك الشاب الممتلئ بالحيوية والرجولة والحماس والمفعم بالنشاط والحركة على استعداد ان يخدم شعبه ويقدم المساعدة للفقراء والمحتاجين من أبناء قريته، وانه في سبيل ذلك لا بد من متابعة التعليم من اجل زيادة ثقافته والمعرفة والاطلاع أكثر على ما يدور من أحداث تراجيدية تسلسلية تواجه البلاد والشعب. فتوجه ليتلقى التعليم في عكا، ثم سافر إلى القدس وقد أكمل الثانوية بنجاح، ودخل كلية الشرطة وتخرج منها قبل جلاء اللاجئين عن البلاد. وقد عمل لبعض الوقت في سلك الشرطة، كان يدرس مادة القانون في مدرسة الشرطة في بيت لحم، وكان برتبة امباشي/ رقيب، ومع رحيل المستعمر عاد حنا إبراهيم إلى بلده وكان يداوم على العمل بحكم وظيفته في الشرطة في مركز شرطة مجد الكروم.
(يتبع)
