{هذا المقال هو ترجمة ملخّصة لفصل من كتاب اصدره الصحفي والكاتب البريطاني ألان هارت، تحت الاسم "الصهيونية هي العدو الحقيقي لليهود".في هذا الفصل تناول الكاتب العدوان الاسرائيلي على سفينة التجسس الامريكية ليبرتي ابان العدوان الاسرائيلي على الدول العربية سنة 1967 .
قمت بترجمة هذا الجزء من الكتاب لاظهار مدى تأثير اللوبي الصهيوني على صنع القرار الامريكي، والذي يتعارض مع المصلحة الوطنية الامريكية .ويصف الكاتب اللوبي الصهيوني "باللوبي الليكودي" لانه يمثل آراء اليمين الصهيوني المتشدد وتحالفه مع اليمين الامريكي والمسيحيين الجدد.{
يقول الكاتب: ادعت اسرائيل وما زالت ان الهجوم على سفينة التجسس ليبرتي كان" خطأً مؤسفا" وأنه وقع نتيجة "خطأ في تحديد الهوية". كان ينبغي للخبر ان يكون صيحة اعلامية تتصدر الصحف الامريكية وتثير نقاشا واسعا.
الا انه ،غير ذكره كخبر عابر وان اسرائيل اعتذرت مُنع الخوض في التفاصيل وأُسكت النقاش.لو كانب جهة اخرى قامت بالهجوم على السفينة الامريكية؛ عربية مثلا، لكان النفاش مشتعلا ولكانت أبواق الدعاية الصهيونية هي التي قادت التنديد والانتقام الشديد.
لقد قال قائد القوات الامريكية آنذاك الادميرل توماس مورر لاحد اعضاء الكونغرس السيد فاول فايندلي،"لو كانت القصة قد كتبت كرواية لما كانت بهذه الاثارة، لقد كان الهجوم بتدبير مسبق عن سابق اصرار، وان التغطية للحادث من قبل الادارة الامريكية لم تكن لاسباب امنية وانما لاعتبارات سياسية داخلية وانه لو عرف الشعب الامريكي ما جرى لجن جنونه. لقد خاف الرئيس من رد اليهود في امريكيا وعلى اصواتهم بالانتخابات." اما الكاتب فاضاف "الخوف من اللوبي الصهيوني واعوانه ومن مدى تأثيرهم وقوتهم في الكونغرس.
يقول الكاتب ان الادارة الامريكية لم تستطع اخفاء الحقيقة فيما بعد. السبب هو وجود من نجوا من الحادث والذين لم يكن من الممكن اسكاتهم. وفعلا اول معلومات ظهرت عن حقيقة ما حدث، جاءت في كتاب لاحد الناجين الملازم جيمس إنس تحت اسم " العدوان على ليبرتي". لقد عقد الناجون من الهجوم اجتماعا لهم في الخامس من حزيران سنة 1982 باستضافة الادميرال المتقاعد مورر نفسه .قال مورر للناجين انه لم يقتنع يوما بالتبريرات الاسرائيلية وانه من غير الممكن ان لا يستطيع الاسرائيليون التعرف على هوية السفينة ، وانه يجب ان تكون هناك دوافع أخرى، وانه على ثقة بأنه سيأتي يوما تتضح فيه الحقيقة للشعب الامريكي.
لم تتحقق رؤية الادميرال مورر ولم تكن ثقته مبررة. فيما بعد سمح بنشر بعض ما كان في الارشيف ولكن بعض الامور ،والمحرجة بالذات لا تزال اسرارا "ا منية قصوى" ممنوع نشرها. ويظهر انه لا امل ان تنشر ما دام هناك ساسة امريكان يدينون لاموال اللوبي الصهيوي ويخافون مواجهته.
الهدف الحقيقي للعدوان على السفينة ينبغي استنتاجه من سياق الحرب ومداها، ومن اصرار ديان على التمسك بمأربه في تحقيق الحلم الصهيوني في اقامة اسرائيل الكبرى. والمفتاح لفهم ذلك يكمن ايضا بمهمة السفينة ليبرتي آنذاك.
سفينة التجسس الامريكية آنذاك كانت عبارة عن جسم تنصّت عائم في عرض البحر الابيض المتوسط. وكانت تعتبر من اكثر السفن المعدة بالات الاستماع والتحليل لكل الرسائل والشيفرات اللا سلكية، وكان على متنها افضل الاخصائيين في تحليل الشيفرات في كل لغات العالم. كانت السفينة ترسل الرسائل المحللة بواسطة اجهزة ارسال متطورة الى البنتاغون والى وكالة الامن القومي ( ناسا). .هذا وتجدر الاشارة ان ما يجري في غرفة الاتصالات كان سرا على كل من على متن السفينة من يعملون في هذا المجال ،حتى كابتن السفينة ويليام جوناجل لم يعرف ما هي مهمة سفينته. لكن يجدر القول هنا، ونتيجة للصلة الوطيدة والترابط بين المخابرات الاسرائيلية والاستخبارات الامريكية - سي اي اي، لم يكن من الممكن اخفاء مهمة السفينة الامريكية على الاسرائيليين.
حتى يومنا هذا ما زالت مهمة السفينة آنذاك سرا امنيا، لا يسمح الكشف عنه. يعتقد البعض ان السفينة قامت بعملية تجسس لان بعض صناع القرار في امريكا ومنهم وزير الدفاع آنذاك ماكنامارا لم يثق بنوايا الاسرائيليين وخاصة ديان. من المعروف ان ادارة الرئيس جونسون اعطت اسرائيل الضوء الاخضر بانزال ضربة قوية بمصر عبدالناصر وبمصر فقط..سمح لاسرائيل الرد العسكري على الاردن اذا دخلت المعركة. لكن باي حال من الاحوال لم تسمح الادارة الامريكية بالهجوم على سوريا او احتلال اراض اردنية او سورية، خشية من توسيع رقعة الحرب مما قد يؤدي الى تدخل الاتحاد السوفييتي وجر العالم الى حرب عالمية ثالثة. كما كانت الادارة الامريكية على علم باتفاقية سرية بين اسرائيل وسوريا.( تعرض الكاتب لهذا الشأن بالتفصيل في فصل آخر من كتابه، ولا مجال هنا للتوسيع في هذا الموضوع ) لذا يجزم الكاتب ان مهمة السفينة هي منع اسرائيل من الهجوم على سوريا وتوسيع رقعة الحرب.هذا وكان كلُّ من كان قريبا من صناع القرار بشأن الحرب يعرف ان على اسرائيل ان تنهي المهمة باسرع وقت ممكن لان امريكا لن تستطيع الممانعة الى ما لانهاية باتخاذ قرار في مجلس الامن لوقف القتال. فكان ينبغي على اسرائيل ان تنهي مهمتها على الجبهة الجنوبية خلال ثلاثة الى اربعة ايام. للقيام بهذه المهمة بسرعة كان ينبغي على اسرائيل حشد جلّ قواتها على الجبهة الجنوبية. فلو ارادت اسرائيل الهجوم على سوريا فان الاوامر والاتصالات اللا سلكية ستضبط من قبل سفينة التجسس ليبرتي وتنقل مباشرة الى وكالة الامن القومي الامريكية وسيكون لدى جونسون الوقت والامكانية من منع اسرائيل بتوسيع رقعة الحرب.
من وجهة نظر ديان، قبل الشروع بتنفيذ مخططه،كان ينبغي عليه التخلص من سفينة التجسس الامريكية قبل اكتشاف خطته.
لفهم ما حدث لاحقا ينبغي الاشارة الى : اولا- من غير الممكن على الاسرائيليين عدم التعرف على هوية ليبرتي، لانها كانت ترفع العلم الامريكي بحجم كبير 8 اينش في 5 اينش،وبانت على جدرانها الشارة البحرية الامريكية بقلم عريض. ثانيا - وكما اشرنا سابقا لم تكن اسرائيل ملزمة بالاتصال بالامريكان للتعرف على مهمة السفينة، حيث بسبب ترابط العلاقات بين المخابرات الاسرائيلية والامريكية لم يكن من الممكن عدم تمكن ذوي الشأن في اسرائيل من معرفة ذلك.
في الساعة 20:30 من يوم الاربعاء، اليوم الثالث للحرب لاحظ الاسرائيليون تغيير في مسار السفينة وانها كانت تتجه الى نقطة على الشاطئ بين تل ابيب واشدود. وقد كان هذا التغيير في اتجاه السفينة قد حصل ساعة بعد سحب امريكا معارضتها لاتخاذ قرار في مجلس الامن بوقف القتال. هل كان هذا صدفة؟ يعتقد الكاتب انه لم يكن صدفةً.
في الساعة 22:00 من نفس المساء ،ظهر على رادار السفينة بان طائرتين حربيتين اسرائيليتين تحومان حول السفينة .هذا بحد ذاته لم يفاجئ الامريكان، الا انه ما كان مفاجئا ان الطائرات الاسرائيلية كانت تصوب الصواريخ نحو السفينة .إعتقد الامريكان الذين حول الرادار في السفينة ان الاسرائيليون كانوا يداعبونهم وردوا بالمثل، ولم يعلموا المسؤولين في البنتاغون عن هذه "الدعابة".
لم يكن هذا مزاحا، حيث اتضح لاحقا ان الملحق العسكري بالسفارة الامريكية في تل ابيب كان قد ارسل ساعة قبل الحادث بتلغراف الى البنتاجون يعلمهم بانه التقط شيفرة اسرائيلية مفادها ان اسرائيل تنوي الهجوم على السفينة الامريكية.وكان ذلك بمعزل عن ما جرى في البحر. كيف يمكن تفسير ذلك؟ الجواب هو، اما ان ديان تعمّد تسريب معلومات عن نيته الهجوم على السفينة واراد ايصالها للبنتاغون ليبعدوا السفينة عن الشواطئ الاسرائيلية، او انه اراد ان تصل هذه الرسالة عن طريق التلويح بتوجيه صواريخ طائراته اليها، ولنفس الغرض.
كما حدث لاحقا فإن ليبرتي لم تعلم البنتاغون بما جرى من تهديد المقاتلات الاسرائيلية علما بأن اذلك كان دعابا. لكن تلغراف الملحق العسكري في السفارة الامريكية كان كافيا لمن اراد ان يعلم بان تهديدات اله الحرب الاسرائيلي ذي العين الواحدة لم تكن عبثية.
لم يكن من الصعب تكهن ما كان على الرئيس جونسون ان يفعل علما بان حياة 286 امريكيا على ظهر السفينة كانت في خطر.كان عليه ان يتصل باشكول ويعلمه ان الهجوم على السفينة الامريكية بمثابة اعلان حرب على امريكا ويستوجب الرد المناسب. الا ان رد الرئيس جونسون ولاسباب تتعلق بالسياسة الداخلية وبضغط من اللوبي الصهيوني وحلفائه قرر التصديق على امر للسفينة بتغيير مسارها والابتعاد عن الشواطئ الاسرائيلية. بعثت هذه الرسالة ثلاث مرات متتالية مع اشارة " اهمية قصوى". الا ان ايا من تلك الرسائل ولاسباب لم تعرف حتى الآن ولم يكشف عنها الاسطول الامريكي ولم يعطى المبررات اللازمة لعدم وصولها حتى اليوم. ما يعرف حتى اليوم هي تكهنات اما ان اعوان اللوبي الصهيوني اعترضوا طريقها او ان من اعترض طريقها هم بعض من يعارض اللوبي واراد للسفينة ان تنهي مهمتها.ولا احد يعرف حتى اليوم مَن مِن تلك التكهنات كانت حقيقية.
يقول الكاتب والمحقق ستيفان جرين ( وهو يهودي يساري معارض للوبي الصهيوني ) انه بعد جهود مضنية جدا ومضايقات استطاع وبعد التغلب على المعايير التعجيزية والمكلفة للتوصل الى بعض الملفات التي سمح بعد سنوات بالكشف عنها، ثم تعذّّر ذلك بعد ان امر الرئيس ريغان باعادة تصنيفها كاسرار امنية ومنع التوصل اليها سنة 1982 .يقول جرين في احد فصول كتابه تحت عنوان"التحديق في الزوايا المظلمة " إن الادارة الامريكية والبنتاغون اختاروا التستر على الحقيقة واخفاءها وتعزيز المهزلة التى نشرت عن الخطأ بالتعرف على هوية السفينة.يقول جرين ايضا ان احد اعضاء اللجنة الاستخباراتية في الكونغرس- روبارب سايكس كان قد سرب له الخبر بان ديان اصدر الامر بشن الهجوم على السفينة وفي حينها قال له احد الجنرالات الاسرائيليين ( رابين؟) "هذه عملية اغتيال صرف"
لقد سبقت الهجوم عدة ساعات من المراقبة للسفينة، وعلى مدار 8 ساعات من صباح يوم الخميس8\6\1967 رابع ايام الحرب. بدأت عملية المراقبة في الساعة 6:00 صباحا، عندما حلّقت طائرة نوراطلاس اسرائيلية ثلاث مرات فوق السفينة، وقد راقب الربان المناوب جون سكوت الطائرة الاسرائيلية من خلال مجهره. كانت هذه الطائرة مزودة باحدث وسائل التصوير وكانت طلعتها هذه والطلعات الاخرى بهدف وضع خطة دقيقة للهجوم. كان هدف ديان القضاء على قدرة السفينة للارسال والاستقبال من الضربة الاولى، حيث اراد ان لا تتمكن السفينة من ارسال نداء للنجدة أو التقرير لما تتعرض له من هجوم، حيث اراد ان يخفي ان اسرائيل هي التي ضربت السفينة، ومن اجل تحقيق ذلك لم يرد ان ينجوَ احدٌ ليروي الحكاية.
في الساعة 7:20 بدّل الملازم جيمس اينس زميله سكوت كربان للسفينة، واول شيء قام به هو تغيير العلم الامريكي الذي بدا له غير نظيف مما اثار الشك، انه من الممكن ان يكون هذا سببا في عدم تعرف الاسرائيليين على هوية السفينة حيث بدأ الشك يساور من هم على ظهرها من تحليق الطائرات الاسرائيلية فوقهم.
في الساعة 9:00 وصلت السفينة الى النقطة المنشودة والامثل لرصد التحركات والاستماع الى اتصالات الجيش الاسرائيلي . يقول الكاتب الان هارت، انه كان في تلك الاثناء في سيناء لينقل الاحداث الى شبكة تلفزيونية مستقلة في بريطانيا وقد شاهد بأم عينيه كيف كانت الدبابات الاسرئيلية تُحمل على ظهر ناقلات ضخمة وتتجه نحو الشمال بعد حسم معركتها على الجبهة الجنوبية.
في الساعة 10:00 قامت طائرتان حربيتان بالتحليق فوق السفينة على مسافة قريبة حيث قال الملازم اينس انه استطاع ورفاقه رؤية الطيارين، ولكن ما كان غريبا هذه المرّة ان الطائرات كانت بدون شارة تدل على هويتها.اي انها طليت بدهان لاخفائها. فيما بعد اتضح ان هذه كانت طلعة تجريبية ليقيس الطيارون اذا كان بامكانهم اصابة الهدف المحدد من الضربة الاولى وبدقة، لكي يتلفوا وسائل الاتصال والارسال. ويظهر ان الطيارين لم يكتفوا بالصور التي اخذت حتى الآن حيث قامت طائرات النوراطلاس بجولات تصوير ثلاث مرات متتالية في الساعات 10:30 و 11:26 و 12:20 وعلى بعد قريب حوالي 200 قدم.
بعد هذه الطلعات المتكررة من الطائرات الاسرائيلية بدأ الشك يساور من هم على متن السفينة وامر قائد السفينة الكابتن جوناجل باطلاق عيارات انذارية وقام بتهدئة الخواطر. بمعنى انه بعد عدّة طلعات لا يمكن ان الاسرائيليين لم يتعرفوا على هوية السفينة وانه لا مجال للخوف بانهم سيهاجمون، فهذه طائرات" صديقة".
في الساعة 14:05 عاد " الاصدقاء " وفي هذه المرة ثلاث طائرات مراج، على متن كل واحدة 72 صاروخا و 30 مدفعا بسرعة البرق وبالكاد ظهرت الطائرات على رادار السفينة وبدأت بقصفها بهجمات متتالية لمدة سبع دقائق. واستهدفت بالاساس وسائل الاستقبال والارسال. بعد عشرين دقيقة قصفت السفينة من عدة طائرات من نوع مايسترس بقنابل النابالم. لقد تركت هذه المرحلة 621 ثقبا في جدران السفينة ومسطحها واتلفت جلّ آلات الارسال والاستقبال.
لقد حاول قائد السفينة الكابتن جوناجل ارسال نداء استغاثة وكان يعلم ان ذلك مجرد امل، ربما لا ينجح. لكن يقول انه شاءت الاقدار انه نجع في ايصال نداء استغاهة مباشر عن طريق الراديو. والسؤال هل التفطت سفن الاسطول السادس في البحر الابيض المتوسط هذا النداء وكيف كان ردها.
المرحلة الثانية كان الهجوم بثلاثة طوربيدات، يقول الناجون ان احد صواريخها اصاب صالة الاتصالات مما ادى الى وفاة اكبر عدد ممن ذهبوا ضحية لهذا الهجوم. كان هدف الهجوم بالطوربيدو اغراق السفينة، وفعلا بعد الهجوم بدأت السفينة بالميلان والغرق، مما دعا قائدها لانزال قوارب النجاة. فما كان من الطوربيدات الا قصفت تلك القوارب وتفتيتها اربا اربا. يقول الكاتب وبالاستعانة بشهادة الناجين ان استعمال النابالم وتفتيت قوارب النجاة يوطّّد الاعتقاد ان ديان لم يرد ناجين احياء ليرووا القصة.
في الساعة 15:05 فجأة استدارت الطوربيدات وابتعدت مسافة خمسة اميال، حيث وقفت كأنها تنتظر اوامر اخرى. في تلك اللحظة كان عدد الضحايا 34 وعدد المصابين 171 .كانت السفينة بدون محركات ،بدون رادار وبدأت تغرق. قام الناجون باسعاف الجرحى وانتشال الاموات والمحاولة بانقاذ السفينة من الغرق. في تلك اللحظة ظهرت مروحيتان كبيرتان مع نجمة داوود واضحة عليها. هل اتوا للانقاذ؟ كما تبين لمن كانوا على متن السفينة انهم لم يأتوا للانقاذ، حيث كانت المروحيتان مليئتين بالجنود المصوبة بندقياتهم نحو السفينة . يتساءل الكاتب لماذا لم تطل شارة داوود هذه المرّة. حسب تحليله اعتقد الاسرائيليون ان السفينة في تلك المرحلة كانت غارقة او انه لم يبق على ظهرها احياء.
في الساعة 15:36 رجعت الطوربيدات ومعها طائرتان مقاتلتان مع شارة داوود مطلية بالدهان هذه المرة. وقد تيقن من على متن السفينة انهم جاءوا للقضاء على من بقي حيا .تلك كانت المرحلة الثالثة والاخيرة .غير ان ذلك لم يحدث. يسأل السؤال لماذا؟
الجواب السريع والبسيط يقول الكاتب، لان ثماني مقاتلات امريكية من حاملات الطائرات كانت في طريقها للنجدة.
اما الجواب الاطول فينطوي على صراع شديد دار بين ادارة جونسون وبعض القادة العسكريين الذين لم يتبنوا فكرة نصرة اسرائيل على حق او على باطل. وكانوا مستعدين لمواجهة اسرائيل عسكريا لنجدة سفينة التجسس وطاقمها.
اول محاولة لنجدة ليبرتي كانت كما يقول جرين تلقائية لدوافع عسكرية ومهنية، كما تتطلب ساحة المعركة. حيث قامت حاملة الطائرات الامريكية ساراتوجا بقيادة الكابتن جوزيف طولي بارسال اربع طائرات للنجدة مباشرة، وبعد ربع ساعة من بدء الهجوم على السفينة .في تلك اللحظة كان يبدو ان المعركة بين الطائرات الامريكية والاسرائيلية آتيةً لا محالة. لم يعرف الكابتن طولي هوية المعتدين. هذا وقد قام باعلام قائد الاسطول السادس الادميرال مارتن، والذي صادق على الخطوة، وامر قائد حاملة الطائرات الاخرى في المنطقة "امريكا " بارسال مقاتلات لنجدة ليبرتي. الا ان حاملة الطائرات "امريكا " لم تعجّل بارسال النجدة.
يقول الكاتب والمحقق جرين عند استرجاعه الاحداث، ان امريكا لم تفعل ما فعلت سراتوجا لانها لم تكن بنفس الجاهزية وايضا ربما تكون هناك اسباب اخرى، حيث قال قائدها الكابتن دونالد انجن والذي اصبح فيما بعد ادميرالا انه لم يستعجل لانه اراد مراعاة القوانين والتغطية القانونية. فما هو القانون ؟ يقول عضو الكونغرس فايندلي انه سمع قائدا امريكيا يقول ان جونسون كان يمسك بزمام الامور وانه لم يكن مستعدا لارسال النجدة دون موافقة جونسون.
وكما حدث تبين ان قائد القوات البحرية الامريكية الادميرال جيس امر برجوع الطائرات التي ارسلت من الحاملة سراتوجا. ولهذا لم تحدث المواجهة.
اتضح فيما بعد ان وزير الدفاع ماكنامارا اعلم جونسون بالحادثة مباشرة بعد وقوعها، وان سراتوجا كانت قد ارسلت طائرات للنجدة فاصدر جونسون امرا بواسطة ماكنامارا الى الاسطول السادس باعادة الطائرات، وعدم المواجهة مع القوات المعتدية على سفينة التجسس الامريكية، ومهددة حياة 286 امريكيا، خوفا من مواجهة الصهيونية ولو على حساب ارواح الامريكان.
بعد صراع عنيف من بعض القوى المعارضة لمسايرة الصهيونية الى هذا الحد، ومع الرئيس جونسون ارسلت رسالة الى سفينة التجسس بان الاسطول السادس قد ارسل طائرات للنجدة، كان ذلك الساعة 15:05 ، اي عندما استدارت الطوربيدات الاسرائيلية لانتظار الاوامر الاخرى. طبعا لم تستطع ليبرتي التقاط هذه الرسالة نتيجة الدمار لاجهزة الارسال والاستقبال. ولكن كان من السهل على الاسرائيليين استقبال الرسالة. وهذا ربما ادى الى التوقف المؤقت في الهجوم الاسرائيلي ربما بضغط من بعض القادة في اسرائيل ( رابين ) وربما بعد اتصال جونسون مع روستوف الصهيوني مستشار جونسون آنذاك، ذي التأثير الكبير والذي طلب منه ان يقول للاسرائيليين ان الطائرات الامريكية في طريقها لنجدة ليبرتي، فاما ان يتوقف الاسرائيليون او يتحملوا مسؤولية المواجهة. وهذا هو تفسير رجوع الطوربيدو الاسرائيلي والمقاتلات وعدم الشروع في المرحلة الثالثة والاخيرة .
الساعة 16:14 دعي الملحق العسكري الامريكي الى لجنة التنسيق في وزارة الخارجية، وتم اعلامه ان الطائرات الاسرائيلية والطوربيدو هاجمت بالخطأ سفينة ممكن ان تكون تابعة للاسطول السادس، وان اسرائيل تتأسف وتعتذر.
قبلت ادارة جونسون اعتذار اسرائيل وانتهت المواجهة. يعتقد الكاتب الان هارت ان الحقيقة ستبقى جدلا الى يوم يبعثون، لان معظم الوثائق المهمة ما زالت اسرارا قصوى لا يسمح بنشرها . وان ما حدث فعلا في الدقائق الاخيرة والتى وصفها عضو الكونغرس السابق فايندلي "ان ما حدث هو مزيج من البطولة والكارثة التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ امريكا" هو كالآتي:
في الساعة 15:36 عندما قدمت المقاتلات والطوربيدو لانهاء ما تبقى، قال ديان ومؤيدوه اننا في ورطة عميقة وينبغي ان ننهي المهمة لاخفاء الدليل لاتهام المصريين. او نتيجة ضغط بعض القادة العسكريين الذين عارضوا الهجوم منذ البداية( رابين؟ ) ضغطوا على ديان واجبروه ان يتوقف، زد على ذلك امرًا من اشكول الذي من المعتقد انه قد تلقى رسالة من البيت الابيض بهذا المعنى.
لقد عين الادميرال آنذاك كيد رئيسا لطاقم التحقيق في القضية من قبل القوات البحرية الامريكية، وفد اعترف انه تلقى امرا من وزير الدفاع ماكنامارا بان لا يتكلم الى وسائل الاعلام . وقد امر كيد بدوره الناجين من ليبرتي ان لا يتكلموا الى وسائل الاعلام وان يوجهوا من يسألهم بأي شيء الى الضابط المسؤول او اليه مباشرة، قال لهم بالحرف الواحد " لا تجيبوا على اي سؤال واذا وضعتم في الزاوية، قولوا انها كانت حادثة مؤسفة وان اسرائيل اعتذرت."لقد انتهى التحقيق في القضية في 18/06/1967 ونتائجه لم تنشر حتى اليوم حيث اعتبرت اسرارًا امنية قصوى.كل ما نشر هو كما اشرنا سابقا تغطية للحدث. وهو "ان لجنة التحقيق ليس لديها المعلومات الكافية لتحكم على الدوافع التى ادت بالطائرات الاسرائيلية والطوربيدو لقصف ليبرتي".
