السياسة الأمريكية تعمل بمكيالين وفق مصالحها

single

يقول ممثل ومنفذ السياسة العدوانية الأمريكية، براك اوباما، انه سيلاحق تنظيم "داعش"، الذي أوجده الأمريكيون قبل فترة ليست طويلة، لحين القضاء عليه أينما وجد. هذه السياسة ليست جديدة وهذه التصريحات الإعلامية والدبلوماسية تهدف لتحسين الصورة وتجميلها في عيون الأمريكيين كي تضيء كالبالونات الملونة في سماء العالم "الحر"، لتجنيد الرأي العالمي، وكأنه يوجد عدو جديد يهدد العالم، ولحشد التأييد العالمي للسياسة الأمريكية في التفويض والمبايعة لجعلها القوة الضاربة والمقررة في تحديد وترسيم السياسة العالمية لعشرات السنين القادمة.
هناك شك بمصداقية الأمريكيين والغرب عمومًا، في القضاء على تنظيم "داعش" لأنهم هم من أوجده وسهر واشرف على بنائه فكريًا لجعل واجهته دينية "بالدفاع عن الإسلام" وتصدير الفكر الديني التكفيري المتطرف إلى مناطق النزاع، بهدف ولجوهر واحد وحيد هو إضعاف العالم العربي، وهدر طاقاته الاقتصادية والمادية والعسكرية، وجعل شعوبه ودياناته وقومياته وطوائفه وأعراقه تتقاتل فيما بينها، وزرع روح الكراهية والأحقاد بين شعوبها، وجعل المعركة وكأنها بين سُنة وشيعة وأكراد وأرمن وازيديين وغيرهم، بغية إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي وتقسيم دوله إلى كنتونات عرقية متصارعة ومرتبطة بعجلة ومصالح الاستعمار الأمريكي والغربي عمومًا.
الضربات الجوية على تنظيم "داعش" في سوريا والعراق، وبدون قرارات وتفويض من الأمم المتحدة ومجلس الأمن وبدون التنسيق المسبق والمبرمج مع الحكومة السورية الشرعية والعراقية وبالتنسيق مع إيران ولبنان، لها أهداف أخرى ليست محاربة داعش والقضاء عليه، وإنما الهدف إضعافه واحتواؤه وإعادته إلى المظلة الأمريكية، من اجل إعادة تأهيله من جديد ليخدم الأهداف التي من اجلها أوجده الأمريكيين. ثم عدم التنسيق مع أصحاب الشأن السوريين وغيرهم، هو بمثابة اعتداء على حرية وسيادة هذه الدول، وانتهاك لمبادئ القانون الدولي، وللأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية الموقعة بهذا الشأن.
الولايات المتحدة، إحدى اكبر الدول التي ترعى وتدير "الحروب الإرهابية" والتي أوجدتها بسياساتها المختلفة لإعادة عالم ذو القطب الواحد. فمن اجل محاربة السوفييت في أفغانستان وبالتنسيق مع السعودية  وباسم "حماية الدين الإسلامي" اوجدوا حركة طالبان والمجاهدين، وفيما بعد ابتدعت تنظيما جديدا عرف بالقاعدة وزعيمه أسامة بن لادن. ثم تنظيم بوكو حرام في نيجيريا أنصار الشريعة في اليمن، ثم أقامت علاقات وطيدة لاحتواء حركة الإخوان المسلمين في مصر وليبيا وحركة النهضة في تونس والجزائر. فحيث يوجد بؤر توتر وصراع تحرري وطني وسياسي، للأمريكيين والغرب عمومًا دور أساس في تأجيج هذا الصراع، ودعم طرف ضد آخر في محاولة لإضعاف كلا الطرفين، بغية إخماد نضال التحرر السياسي والاجتماعي، وإبقاء نار الصراع ملتهبة تصب في مصلحة السياسة الأمريكية، كما هو حال الصراع الطويل في منطقة الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
منذ أكثر من ثلاث سنوات من الصراع الدامي في سوريا وقبلها بسنوات في العراق والمستمر لغاية الآن، والولايات المتحدة تدعم بشكل مباشر وعلني وبطرق دبلوماسية وبإضفاء الشرعية عليها وبمشاركة قوى وأطراف عربية وأجنبية، تلك القوى والحركات الإرهابية المسلحة التي تستخدم الدين لشرعنة أعمالها وممارستها الدموية، تحت غطاء محاربة وإسقاط الشرعية السورية، ولحرف نظام الممانعة والداعم الخاص للحركات الثورية والوطنية وضرب التحالف الإيراني – السوري في مواجهة الامبريالية ومخططاتها العدوانية في المنطقة، فالمحور الإيراني – السوري مع المقاومة اللبنانية والفلسطينية، هم المستهدفون في المكان الأول من قبل محور الشر بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل وأتباعهما في المنطقة من تركيا حتى السعودية وقطر والأردن وغيرهم.
لقد جاءت السياسة الأمريكية، بعد كل هذا التطور الحاصل في سوريا والعراق، من اجل إعادة رسم الصورة كما تريدها الولايات المتحدة، لإنقاذ سياستها من الفشل المحتوم، قبل ان تخرج الأمور عن نطاق السيطرة. محاربة داعش تأتي اليوم بعد ان وصلت نار مشعليها إلى بيوتهم، وأصبح الخطر يتهدد مصالحهم ليست على مستوى الشرق الأوسط، وإنما في العالم اجمع. والسؤال هو كيف يستطيع ان يتمرد هذا المسخ على أسياده والتطاول على مواطنيه ويهدد مصالحهم؟ وهنا ترتسم معالم وخبايا العلاقة المميزة بين "داعش" وبين راسمي السياسة الأمريكية والأوروبية. لقد اوجد الأمريكيون وغيرهم داعش والنصرة وغيرهم من التنظيمات الخارجة عن الشرعية الكفاحية، بهدف إسقاط النظام والأنظمة المعادية للامبريالية في سوريا وغيرها، ومحاولة استحضار نظام رخو مجرور للسياسة الأمريكية يسعى لتوقيع صُلح منفرد مع حكام إسرائيل ولقطع العلاقة مع المحور الوطني المعادي للاستعمار، ومساندة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، كما هو الحال مع أنظمة الخيانة في السعودية والأردن ومصر ودول الخليج العربي. لقد سعى الأمريكيين منذ إسقاط صدام حسين في العراق، إلى ترك الجُرح العراقي مفتوحًا ينزف باستمرار ليستنزف المزيد من قدرات وثروات العراقيين، تمهيدًا لممارسة تقسيم العراق على أساس طائفي ومذهبي. وان شعار إقامة الحكم ودولة الخلافة الإسلامية في المناطق التي سيطر عليها الداعشيون تخدم ما ترمي إليه السياسة الأمريكية. فالولايات المتحدة لا تعارض قامة "المملكة الإسلامية" وفي الخفاء تدعم وتحول وتوجه في تحقيق مثل هذه الأفكار والإمارات والمحميات الإسلامية، شرط الحفاظ على مصالحها المتشعبة، وإبقاء مثل هذه الخلافة تحت المظلة الأمريكية كما هو حال نظام المشيخات والممالك في دول الخليج وغيره.
لقد رأينا نتائج الضربات الجوية الأطلسية في ليبيا بهدف إسقاط نظام معمر القذافي، وان الذي وصل وأوصل هذه التداعيات الأمنية والحركات الأصولية المتشددة هي ضربات الأطلسي والسياسة الأمريكية التي لا يهمها مصالح الشعب الليبي، وإنما مصالح شركاتها  العملاقة في تعميق عملية السلب والنهب لمقدرات وثروات الشعب الليبي.
بعد التجارب المثقلة بالدم والدموع، لا تريد شعوبنا العربية التدخلات الأطلسية الأمريكية، ويتوجب على القوى الوطنية في العالم العربي والمعادية للسياسة الأمريكية تجميع قواها وجهودها للحيلولة دون تكرار ما جرى في بلدان عديدة.
ان السياسة الأمريكية، هي عدوة بنسبة 100% لآمال وطموحات شعوب المنطقة. أكثر من 50 يومًا وطائرات الـ إف 16 الأمريكية الصنع والعتاد والتدريب وإسرائيلية التنفيذ وهي تنزل حممها ليلا ونهارًا على أطفال ونساء غزة، لم يصدر أي قرار أمريكي بإدانة مجازر إسرائيل في قطاع غزة.. (2200) شهيد وآلاف الجرحى ودمار واسع ورهيب، تطل رائحة الموت من بين الأنقاض والبيوت المدمرة، لماذا لم يشفع قلب الأمريكيين على  أطفال وأهالي غزة وحي الشجاعية وخزاعة وغيرها، عائلات أبيدت عن الوجود. محاربة وإسقاط الداعشيين تتطلب أولا وقف الدعم اللوجستي من الأطراف العربية الحاضنة لهذه العصابات الداشرة، توجيه الجهود المحلية وحل الخلافات بين أطراف الصراع. ان إقفال الحدود التركية والسورية والأردنية وقطع خطوط التمويل لداعش، سيجعل هذا التنظيم يختفي خلال فترة وجيزة عن الأنظار، وهذا احد مطالب الجماهير من المحيط إلى الخليج.



(كويكات/أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

تصعيد احتلالي واضح

featured

أبو سنان، وخندق التحدي وافشال المُبيَّت

featured

ماذا يفعل "الشاباك"؟

featured

من أجل دحر المدّ اليميني وتعزيز دورنا الجماهيري والكفاحي

featured

أبو فاتن حسين مباركي، النهراوي الأصيل: يفيض كالنهر، هيا على الكفاح، هيا على النضال

featured

أهكذا نكرّم المرأة الفلسطينية؟!

featured

بشّار الأسد: الحوار أساس الولاية الثالثة

featured

السلام العادل لا السلام الامريكي