في التاريخ القديم والحديث قام رجال بأعمال كبيرة وخدمات جليلة لأمتهم في اوقات الشدائد والمحن، لتخليص امتهم من قيود الغزاة والمغتصبين فأصبحت اعمالهم دروسا وعبرا للبشرية جمعاء. واعمالهم هذه عبدت لهم الطريق بدخول التاريخ من اوسع ابوابه وحفروا اسماءهم بأحرف من نار ونور، نار بوجه المعتدين والغاصبين ونور في وجه شعبهم يضيء الطريق لهم للوصول الى بر الامان.
وعلى سبيل المثال القائد والمناضل الهندي المهاتما غاندي او "موهنداس غاندي"، الذي ولد لابوين هندوسيين فكان والده يدعى "كابا كرما شند غاندي" ينتمي لاسرة اشتهرت بالصدق والشرف والشجاعة، فعاش في "بومباي" محاطا بالاحترام لنزاهته واستقامته وعفة قلبه، ورفعه ذلك الى منصب الوزارة وأدى فيها واجبه على احسن وجه.
وانجب "كابا" بنين وبنات وكان موهنداس اصغرهم جميعا فربته امه على مبادئ البر والاحسان وكانت له خير قدوة ومثال بتقواها واعمالها الخيرية ومن عرفها تعلم منها التكفير عن الذنوب بالصيام والصبر على الآلام ومجابهة الصعاب بهدوء وارادة لا تلين. ولما بلغ السابعة من العمر ارسله ابوه الى المدرسة فكان فيها ضعيف الذاكرة فلم تبدر منه اي بادرة تفوق. كذلك عرف بين رفاقه بشدة الخجل وحب العزلة وكثرة التأمل والتفكير، أدركت امه مدى تعلق ابنها بها وراحت تروي له قصصا اسطورية وتاريخية عن ابطال قهروا الشر بايمانهم وشجاعتهم وبنت شخصيته على اساس متين من الثقة وحب الخير.
وما هي الا سنوات حتى انهى موهان دروسه في المدرسة الابتدائية وانتقل الى الثانوية وفي هذه الفترة قرأ قصة الفتى الهندي "شرافانا" الذي احب ابويه حتى التفاني وحملهما على ظهره في رحلات طويلة لأنهما كانا ضريرين، وما كان موهان يفرغ من قراءة هذه القصة حتى قال في نفسه: "هو ذا الانسان القدوة". بدأت عيناه تتفتحان على واقع بلاده ومعاناته من الاستعمار الانجليزي، وعاهد موهان نفسه على ان يخدم شعبه ويشق له طريق الحرية بالمحبة والصبر، وقد فقد موهان اباه لما بلغ السادسة عشرة من عمره فأحس انه اصبح رجلا يتوجب عليه الاتكال على نفسه، فالتحق بكلية ساملداس في بافنجار لكنه لم يستطع فهم المحاضرات التي تلقى، كان لآل غندي جار حكيم فاقترح ارسال موهان الى انجلترا، فقبل هذا الاقتراح الذي كان يحلم به وبرؤية بلاد جديدة واقترح عليه الاخ الاكبر بان يصبح محاميا لأن الهند في اشد الحاجة الى رجال قانون ليدافعوا عن حقوق الهند التي يهضمها الانجليز المستعمرون. في جيل العشرين من عمره وصل الى لندن وما لبث ان انهى تعليمه ونال شهادة الحقوق وبقي مترددا في قدرته على مجابهة المحاكم. وعندما عاد الى الهند كانت امه قد فارقت الحياة، وفيما هو حائر في امره لا يدري كيف يواجه المستقبل، تلقى اخوه رسالة من احدى المؤسسات التجارية في "بورباندر" في جنوب افريقيا تبحث عن محام ليلاحق قضية هذه المؤسسة، فرح بهذه الرسالة واعتبرها نعمة حلت عليه وقبل العرض بلا مساومة وما ان وصل جنوب افريقيا حتى ادرك انه وصل الى جحيم من الشقاء لا يقاس به جحيم الهند، فهناك عشرات الالوف من العمال الهنود الذين يعانون من الظلم والاضطهاد فلا حق لهم ولا كرامة، وهل يمكن ان يرجى من الاستعمار الانجليزي أي خير سوى نهب لثروة البلاد التي يحل فيها.
كان غاندي قد كتب الكثير من المقالات والقى العديد من الخطابات تنديدا بالمعاملة المذلة التي يلقاها الهنود في جنوب افريقيا، وعن طريق جريدته "الرأي الهندي" التي جعلها منبرا لحركته ايقظ المظلومين من سباتهم العميق وفتحت عيونهم، الا ان هناك من استنكر طريقته في المقاومة، لأن المستعمرين لا يفهمون الا لغة القوة فكان يقول لهم، "المحبة وحدها اقوى من الظلم والطغيان، فلا بد للظالمين من ان يخضعوا لها اذا مارستموها مؤمنين بها وجعلتموها سبيلا في الدفاع عن كرامتكم." فاضربوا عن العمل وتظاهروا سلميا وتحملوا اعمال القمع برباطة جأش رغم التعذيب والاضطهاد وهكذا اتسعت الحركة الغاندية حتى شملت "الترنسفال" و"ناتال"، وبدأت بطولات الهند والافارقة تدهش الاوروبيين، تلك هي قوة موهنداس غاندي، وذلك ايمانا بالحق في الحياة، وثباتا على التصميم في الوصول الى ذلك الحق وكان له التأثير الشديد في الرأي العام العالمي ونقمة شديدة على مسلك الانجليز.
عاد غاندي من جنوب افريقيا الى بلاده الهند وهناك فكر في تحرير بلاده من ظلم مستعمريها، ولم يشأ ان يباشر حركته التحررية هذه قبل ان يدرس احوال الشعب الهندي ويلمس اسباب تخلفه وشقائه، فراح ينتقل من بلد الى آخر في الهند ويزور الفلاحين في اريافهم، وقد افزعه ما كان يعانيه الشعب الهندي من الظلم والحرمان، وكثيرا ما اعلن ان مذهب "اللاعنف" ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لبلوغ الاستقلال وكانت خطته في النضال "اتدري كيف كانت تدور المعارك بيننا وبين خصومنا الانجليز المدججين بالسلاح، كنا نتقدم في سبيلنا، فتعترض صفوفنا البنادق في يد الاقدار، الا اننا نتقدم غير حافلين بها، فتنطلق منها النيران ويسقط منا من يسقط..فنتابع سيرنا سالمين غير مقاومين لا نرفع يدا على قاتلينا.. فيطلق هؤلاء رصاصهم من جديد ويسقط منا من يسقط، فلا نتوقف ولا نبالي كأننا السيل الجارف.. وعندئذ كان اعداؤنا يلقون سلاحهم ويتجمدون في اماكنهم مرتبكين وقد استولى عليهم الخجل.. فيما نحن نتقدم ولا نلوي على شيء فيفسحون امامنا الطريق ويدركون اننا قهرنا قوتهم بصبرنا وشجاعتنا".
ولما اشرفت سنة 1920 على نهايتها عقد المؤتمر الوطني الهندي اجتماعا قرر فيه المطالبة بالاستقلال والعمل لاحرازه بالطرق الشرعية والسلمية ودعا المؤتمرون جميع الهنود من مختلف العناصر والمذاهب والطوائف الى الاتحاد والتزام عدم التعاون ومقاطعة الحكومة ورفض دفع الضرائب فبادرت السلطة الى اعتقال الالوف من الرجال ومنعت التظاهرات متهمة المناضلين بنشر الفوضى والتمرد على النظام.
لا عجب ان كان قد لقب غاندي لقب "مهاتما" أي الروح الكبيرة، لأنه قاد مئات الملايين على طريق الحرية بقوته الروحية التي ادهشت العالم. وللمرة الاولى في التاريخ كان السلام في قبضة القوة الروحية وسلاحا اشد فعالية من الحديد والنار، مما جعل طاغور الشاعر الهندي يقول: "ان للقوة المعنوية سلطانا اقوى من سلطان القوة البهيمية، وفي هذا برهان قاطع على ان الانسان الضعيف، ذا القلب المؤمن يستطيع ان يلقي عنه سلاحه وان يقول ان النصر الاعظم هو لقوة الروح لا لقوة الساعد".
ومن ابرز اعمال غاندي العظيمة انه جعل الهند تنظر الى اهدافها الوطنية والاجتماعية الحيوية. وكان قد عرف جواهر لال نهرو منذ عام 1916، في احد اجتماعات المؤتمر الوطني فوثق به وادرك انه القائد الذي تحتاج اليه الهند. ولما انتهت الحرب العالمية الثانية حاولت بريطانيا وضع نيرها من جديد على عنق الهند، حانثة بكل ما قطعت من عهود وفي تلك الاثناء ثارت الهند الصينية وبرزت الحركة الاستقلالية في اندونيسيا فأدركت بريطانيا ان الهند مقبلة على الاستقلال لا محالة، وشاءت ان تستبق الاحداث تفاديا لاندلاع النار فوافقت على اجراء انتخابات عامة لمجالس الولايات والمجلس التأسيسي في شتاء عام 1946، فخاضها حزب المؤتمر الوطني على اساس المطالبة باستقلال الهند وتحقيق وحدتها واحرز انتصارا كاسحا.
واعلن عن استقلال الهند في العام 47. لقد لاحظنا من هذا السرد عن حياة المهاتما غاندي وطريقته في النضال السلمي ضد الاستعمار الانجليزي انه لم يكن متهورا ولا عصبيا، وبالرغم من كل ذلك واجه الاستعمار الانجليزي بانسانيته، فخر المستعمر راكعا مستسلما للعزيمة والاصرار، وكم صدق شاعرنا العربي القائل: "كم رجل يعدّ بألف رجل، وكم الف يمر بلا عداد".
(كفر ياسيف)
