القس شحادة رفيق الطفولة والصبا، ربينا نرتل معا في مدرسة الاحد ونلهو في ساحة الكنيسة، ومعا كنا زملاء على مقاعد المدرسة الابتدائية والثانوية، والقس شحادة الصديق، رفيق الدرب والنضال في لجنة الدفاع عن الأرض، ورفيق العمر حتى أيامه الأخيرة. لا أذكر أن كان بيني وبينه خلاف في الرأي في نظرته الإنسانية للحياة وفي طلبه للحق ودفاعه عنه والعمل لنصرة المظلوم ووقفته الجريئة في وجه كل ظالم. مواقفه المشرفة خلال مسيرته الحياتية معروفة للجميع تشهد له في عمله كرجل دين ورجل دنيا. لبس ثوب الكهنوت وصلى في الكنيسة لإله واحد للجميع، واعظا في جموع المؤمنين بالمحبة التي كان يكرز بها إله المحبة يسوع، فكل دين يعود إلى الله خالق الكون هو دين خير ومحبة، فلا يوجد دين كافر، وعليه كان رافضا كل أنواع العصبية، فلا كراهية في الدين. وكأني به قد جسد كلمات المسيح القائل، طوبى للأنقياء القلب فإنهم يعاينون الله، طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون. نقي القلب كان،لم أعرف عنه أنه حمل ضغينة على أحد أو فاه بكلمة سوء ضد آخر، أو دخل في مشاجرة مع أحد، رجل سلام كان في فكره وعمله. لم يحصر عمله في حدود رعيته في كنيسته بل خرج إلى العمل الميداني بين أفراد شعبه تحدوه روح إيمانه ونظرته الإنسانية في الحياة لنصرة حق شعبه ضد كل ظلم من أجل حياة كريمة، وبقناعة المناضل انتمى إلى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وكان نائب رئيسها، كما ترأس قبلا لجنة الدفاع عن الأرض التي من ثمار عملها النضالي إيقاف مصادرة آلاف الدنمات من الأرض، وظهور تاريخ الثلاثين من آذار في تقويم الأيام لـ "يوم الأرض" الخالد، الذي تحييه جموع الشعب الفلسطيني أينما وجدت كيوم وطني. اسم القس شحادة سار أمامه في العمل النضالي الجماهيري، يشهد على ذلك الحشد الكبير من جمهور المشيعين والشخصيات الدينية والسياسية والاجتماعية، وكذلك جمهور المعزين والوفود الوافدة من شتى البلاد.
مر شعبنا في مراحل نضالية عديدة منذ نكبته، أيام الحكم العسكري، ومع قوانين التمييز العنصري ومصادرة الأراضي والمضايقات المعيشية لمن لا يسير في ركب السلطة ويخضع لإملاءاتها، السجن والإبعاد عن البيت والأهل، إلى آخر أسطوانة الظلام المألوفة، لكن هذا الشعب الذي أراد الحياة كريمة وقف متحديا، وخرج من بين أبنائه قادة على رأس المسيرة النضالية على مدى السنين، جيل يذهب ويأتي آخر يحمل الراية على هدى درب مرسوم هو "درب الملك" - الديمقراطية والسلام والمساواة - كما هي ممثلة في "الجبهة"، أخوة الشعوب ولا شعب أفضل من شعب، دولتان للشعبين وكل له قدسه... هذه هي الروح التي تسيّر الموكب الذي يرفع رايته عاليا وسيكون لها النصر عاجلا أو آجلا وستشهد السنين... قادة هذا الشعب رسموا خارطة طريق عجزت عن رسمها دول عظمى، فهي ليست كما يريد لها الاستعمار الجديد في عولمته... خارطة الوجود على أرض الواقع والحق لأصحاب الحق... يرحل المناضلون في طريقهم الأبدية ولا يسقطون، أسماؤهم باقية في مبادئهم يحملها جيل بعد جيل. والقس شحادة واحد من هؤلاء الذين حملوا الراية في صفوف المسيرة، ذكراه باقية حية في قلوب الجميع.
لم يكتب الدهـر أسماء لصورتهم وإنـما كتبت أسمـاءها البشـر
لم يذهبوا عبثـا في فكرة عرضت لكنهم، عبرًا في أرضنا عبروا...
كان القس شحادة قد طلب مني لوحة من رسوماتي، ووعدته بأن أعمل على لوحة جديدة خاصة به، مر الوقت ولم أنجز اللوحة، وكان خبر مرضه المفاجئ، فكان الأسف مضاعفا، ثم رحيله عن دار البداية إلى دار الأبدية. وبين البداية والنهاية رحلة عمر تطول وتقصر، ننجز ما أمكن من أعمال ونحصل على ما نريد أو بعضه فنطلب المزيد في طموح لا يحد، كأن حياتنا لوحة لم تكتمل!.. ومن منا يرى أن لوحته اكتملت في حياته مهما أنجز من عظيم الأعمال، فيقول: اكتفيت يا حياة!.. فهل أنجزت لوحتك أيها الراحل وقلت اكتفيت؟!.. لا، إن الحياة دوام الحياة جديدة متجددة، لكنك عشتها حياة عمل مثمر متواصل ورسمت لوحة ناصعة بألوانها الأخاذة أهديتها لنا، ونعم ما رسمت، لوحة المحبة والإيمان، لوحة النضال والسلام، تبقى معلقة في ذكراك على جدران الوطن. لك الرحمة أيها الصديق العزيز فاسمك باق في قلوب محبيك.
(كفر ياسيف )
