"الموتُ لا يُوجعُ الموتى.. الموت يوجعُ الأحياء" – كم كان صادقَ الحِسِّ والمشاعر ذلك الفلسطينيّ الأصيل، شاعرنا محمود درويش، حين خطَّ هذه الكلمات، واصفًا مشاعرنا جميعًا تجاه فقدان طيب الذكر، كريم كركبي.
شابٌ أصيلٌ، متسامح ومهذّب، حَمِلَ سِمات اسمه وعمق هذا الاسم، كان كريمًا بخُلقه وبمالِه وبمحبته للناس، كل الناس، رافضًا بجسارة دُعاة الطائفية الهدّامة والعائلية والجهوية، وكل التقسيمات الضيّقة الأُخرى، فقد آمن بكرمٍ وسخاءٍ بوحدة الشعوب المضطهدة، وذلك بقدر ظمئِهِ أيضًا للسلام المُشتهى. هو ابن لعائلة كريمة، لها بصماتها البيضاء في تاريخ شعبنا وعلى مسيرة تقدمه وتطوره.
كان الكريمُ كريمًا متسامحًا حتّى المغفرة، متمثّلًا برسالةِ النّاصريّ الداعية إلى الاحسان لمُبغضينا ومباركة لاعِنينا.
وليس سرًّا أن كريم امتاز بالعطاء والانتماء العميق، فقد نجح بعمله التطوعي والوطني والاجتماعي، تمامًا بقدر نجاحه في عمله المهني. درس موضوع الصيدلة وتفوّق بامتحانات الوزارة، قارعًا أجراس النجاح ومتحديًا ظروف حياة الفلسطينيّ القاسية في ظروف هذه البلاد.
افتتح صيدلية في بلدة الزرازير، ورغم انه كان ببداية طريقه المهنية، الا انه لم يبخل أبدًا بمساعدة الناس متفهمًا حالتهم الاقتصادية الصعبة.
كان أوّل المتبرعين والداعمين لمُخيم النجم الأحمر، مخيم شبيبتنا الشيوعية في شفاعمرو.
لم ينبع هذا التماهي مع الناس من فراغٍ، وانما نبع من انتمائه العميق والصادق لحزبه وجبهته وشبيبته، حزبنا وجبهتنا نحن، ومن انتمائه لعائلته الوطنية الكادحة. واستمر بمساعدة الناس حتى عند انتقاله للعمل في صندوق المرضى.
يصعب علينا في الجبهة والحزب فراق الرفيق كريم، فهو اول المشاركين في كل المناسبات الحزبية والوطنية، المحلية منها والقطرية، وهو اول الوافدين الى ميادين المظاهرات والى قاعات المؤتمرات. هو أول المشاركين بمسيرات الأول من أيار، ومظاهرات يوم الأرض، وأكثر الناشطين في احياء ذكرى مجزرة شفاعمرو، وغيرها من المناسبات الكفاحية. كيف لنا أن ننسى من كان من اخلص الرفاق بمواقفهم وعطائهم.
في ام الفحم تحديدًا، نذكر جيدا كيف تبرَّع بسخاءٍ في حملتنا الانتخابية للكنيست في المدينة عام 2009، مؤكدًا على ضرورة تعاضد أبناء الشعب الواحد وتكافل جهودهم وتقوية جبهتنا الأبية. لقد كان على قناعة راسخة بواجب تثبيت أم الفحم ومنطقتها على الخارطة السياسية، خاصةً وأنها مستهدفة من اليمين والمستوطنين والمتطرفين.
تحدّى كريمُ مرضَهُ ببسالة الرجل المُحب للحياة رغم ضَيمها وقسوتها، تمامًا كما تحدّى تمييز السُّلطات الغاشمة تجاهنا نحن الاقلية القومية الباقية في وطنها.
وتصدّى لاحتلال المرض لجسمه، تمامًا كما تصدّى للظلم، وكما تصدى للاحتلال ولجيشه الغاشم، الجاثم فوق صدرِ كل الفلسطينيين.
إلى من أحبّ الحياة،
ستذكرُ إلى الأبد.. في شفاعمرو، وفي ام الفحم، وفي حزبك وشبيبتك وجبهتك.
لروحك المجد والخلود.
