الانتهاك التركي للسيادة العراقية، بدخول قواتها إلى الأراضي العراقية، لم يكن الأول ولن يكون الأخير، ولا يبدو أنه سينتهي قريباً. وهو نذير مرحلة جديدة، لا يملك التركي فيها خياراً آخر غير التصعيد. التحرك الأخير هو التعبير الأوضح عن جملة من الإخفاقات في سوريا، انتهت بخروج تركيا من ساحتها، كلاعب أساسي وفاعل، لكنه يرمي إلى السيطرة على أراضٍ عراقية تأمل أنقرة في أن تمكّنها من العودة إلى سوريا، ومن فرض معادلة جديدة، وأمر واقع يمنحها القدرة على تعزيز موقعها الإقليمي، وعلى المناورة لضمان مقعد لها إلى طاولة المفاوضات. كما أنه استعراض للقوة في وجه بغداد وأكراد سوريا، وإيحاء بقدرتها على التدخل العسكري، من كركوك العراقية إلى كسب السورية. وهي بذلك، تضع المنطقة أمام مأزق، خصوصاً مع اللجوء إلى إعطاء الصراع في سوريا والعراق بعداً طائفياً يرفع درجة التوتر ويزيد احتمالات التفجير الواسع.
وبرغم أن إسقاط «سوخوي» الروسية تهوّر سياسي، زاد طين أزمة المنطقة بلة، إلا أنه يندرج في إطار سعي أردوغان للظهور بمظهر القائد السياسي القوي المستحق للزعامة الإقليمية، برغم الردود التركية على الإجراءات الروسية.
أما هدف أردوغان من وراء انتهاك السيادة العراقية الأخير، فهو لفت انتباه الأوروبيين وزيادة اهتمامهم بتركيا للحصول على دعم مؤقت. فالاتحاد الأوروبي لا يريد للتوتر الروسي التركي أن يؤثر على الحل السياسي في سوريا، فتفاقم الصراع في الشرق الأوسط يشكل تهديداً حقيقياً للقارة الأوروبية. لكن الأوروبيين رفضوا في قمة تركيا والاتحاد الأوروبي الأخيرة في بروكسل الخضوع لابتزاز أنقرة في موضوع تدفق اللاجئين. وتحوّل ذلك اليوم الذي وصفه أحمد داود أوغلو بأنه تاريخي، إلى يومٍ عادت فيه تركيا للخضوع للغرب مجدداً. والاتفاق على إلغاء تأشيرة الدخول للأتراك إلى أوروبا خلال عامين، وعلى مساعدة بثلاثة مليارات يورو، إضافة إلى محاولات إعادة إحياء المفاوضات على دخول تركيا الاتحاد، ليست سوى مسودة خطة عمل لم يتم إقرارها، ولا ضمانات لتنفيذها، فضلاً عن أنها تأتي ضمن سلة متكاملة تتضمّن شروطاً، يبدو الالتزام بها وتطبيقها أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد بالنسبة للجانبين.
فسلة الشروط الأوروبية تتضمّن أولاً، محاربة الإرهاب في إطار استراتيجية التحالف الغربي الجديدة التي بدأت في التشكّل، وتقضي في أحد محاورها بمحاربة تنظيم «داعش»، الأداة الميدانية التي تستفيد منها تركيا في سوريا والعراق في مواجهة الأكراد والنظامين في دمشق وبغداد وحلفائهما. كما تقضي بوجود بري عسكري على الأرض في سوريا، بعد فشل الجماعات المسلحة في قتال «داعش» بسبب عدم الرغبة، وفشلها في إسقاط النظام بسبب العجز عن ذلك، ليصبح الجيش التركي على رأس قائمة الجيوش المؤهلة للتدخل. لكن ذلك غير ممكن في ظل الوجود الروسي متربّصاً ومنتظراً خطأً تركياً كهذا، كما أنه يعني صداماً مباشراً مع إيران.
وفي سلة الشروط أيضاً، الاعتراف بقبرص دولة موحّدة، والتخلي عن الجيب التركي في الجزيرة، وإبداء أنقرة «تفاعلاً كافياً لحل هذه الأزمة»، وهذه قضية لا يجرؤ مسؤول تركي على طرحها، فضلاً عن الإقدام على تنفيذها. فهي تسحب صاعقاً يمكن أن يفجّر صراعاً خطيراً بين مكوّنات البلاد السياسية والاجتماعية. وقائمة الشروط الأوروبية المطولة تتضمن إعادة الدولة التركية النظر في المسألة الكردية، وفي سياساتها تجاه مواطنيها الكرد، وهو ما سينسحب على كرد سوريا. إذ إن المطلوب من تركيا دعمهم وتوفير البيئة الميدانية والسياسية التي تساعدهم على التأسيس لإقليم كردي في سوريا شبيه بإقليم كردستان العراق.
ومطلوب من أنقرة، إضافة إلى ما سبق، الكفّ عن فتح ملف تصدير المنتجات الزراعية التركية إلى أوروبا، بسبب حساسية المزارع الأوروبي وخشيته من قدرة المنتجات التركية على المنافسة القوية، لانخفاض الكلفة وكثافة الإنتاج ورخص الأسعار. ويريد الأوروبيون من تركيا تشديد الرقابة على حدودها لمنع تدفق اللاجئين والمهاجرين عبرها إلى أوروبا.
لقد تمكّن الغرب من توظيف حادثة إسقاط الطائرة الروسية لتقييد تركيا وإخضاعها. ولا حل أمام الأخيرة إلا بالتحرر من هذا الفخ، وهذا لن يكون إلا بتسوية مع روسيا. أما التصعيد، فسيفتح الباب على مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار داخلها، تزيد من أزمتها ومن حاجتها لـ «حلف الأطلسي». من اتخذ قرار إسقاط «السوخوي»، ورّط أنقرة في صراع مع موسكو، أدى إلى حرمان الأتراك من ميزات في روسيا، أهمها عدم حاجة الأتراك لتأشيرات لدخولها، كما أدى إلى وقف توريد المنتجات التركية الغذائية والزراعية والصناعية إلى روسيا، فخسرت تركيا سوقاً شكلت خلال السنوات الماضية تعويضاً لها عن إغلاق الأسواق الأوروبية أمام بضائعها ومنتجاتها.
استدارة أردوغان وحزبه نحو الشرق لم تكن بدافع إيديولوجي، ولا ضمن مشروع سياسي واقتصادي للنهوض بالمنطقة. بل كانت نتيجة قناعته، بأن لا مكان لبلاده في أوروبا والغرب من موقعها الضعيف وافتقارها للدور. هكذا جاء قرار أردوغان بالتوجه نحو الشرق من أجل تكريس تركيا زعيمة له وجسراً وممراً إجبارياً بين الشرق والغرب، لتتمكن بلاده من العودة إلى أوروبا واتحادها من موقع القوة والضرورة. لكن الأخيرة، التي عجزت عن هضم تركيا علمانية، هي أكثر تشدّداً وحساسية إزاء تركيا إسلامية، منغمسة في دعم حركات اﻹرهاب والتكفير، وتعيش أزمات طائفية وعرقية وأمنية يخشى اﻷوروبيون انتقالها إلى بلدانهم. وبعدما أُغلقت أمام تركيا أبواب المنطقة، التي باتت دولها تنظر إلى دورها بعين الريبة، وبعدما فقدت أسواقها ومنافذها، وخسرت جزءاً مهماً من قدرتها على حماية حلفائها وأدواتها في الشرق، تعود تركيا دولة تابعة لأوروبا، تؤدي دوراً وظيفياً، تجاه دول المنطقة، يحدد التحالف الغربي طبيعته وثمنه. قمة بروكسل كانت اليوم الذي عادت فيه تركيا إلى المربع الأول في العلاقة مع الغرب، وأداة لسياساته، ومنفذة لمشاريعه في الشرق الأوسط. (السفير)
