* لكل انسان الحق في إختيار دينه وفكره ورموزه *
في اواسط التسعينيات من القرن الماضي ، كانت الحركة الإسلامية الشمالية ،بزعامة الشيخ رائد صلاح ونائبه كمال خطيب تعيش فترة صعود ونمو ، وبالذات في أم الفحم .بعد أن أحكمت السيطرة على بلدية ام الفحم ، وعلى قسم كبير من المؤسسات الخدماتية ،مثل مجمع ابوعبيدة ،وعيادة النور الطبية،وعلى الكثير من المرافق التجارية .وفي حينه ايضا سيطرت الحركة الاسلامية على لجان أولياء الأمور ،بما في ذلك ،لجنة الاولياء في المدرسة الثانوية الشاملة المختلطة.
وعندها كانت المدرسة تعاني من تدني التحصيل العلمي .وقد برز ذلك من خلال نتائج امتحانات البلوغ (البجروت).وبدلا من معالجة هذه الأزمة التعليمية من جذورها ،قررت الحركة الاسلامية القيام بحملة من أجل إنشاء مدرسة ثانوية ،رسمية (حكومية) غير مختلطة،للبنات فقط.وكأن أزمة التعليم سببها التعليم المختلط في الثانوية الشاملة.
وفي ذلك الوقت لجأ نشطاء الحركة الاسلامية وقادتها في ام الفحم الى أسلوب الضغط والتضليل،فقد كونوا الفرق لزيارة الآباء من أجل اقناعهم بنقل بناتهم الى المدرسة الثانوية الجديدة ،الخاصة بالبنات وكانوا يقولون لوالد الطالبة الذي يلتقون به ،الجميع نقلوا بناتهم الى المدرسة الجديدة غير المختلطة، ولم يبق غيرك ممن لم ينقل ابنته للمدرسة غير المختلطة.والحقيقة المؤلمة انهم نجحوا بذلك الى حد كبير. وهكذا قامت الثانوية الرسمية (الحكومية) على اسم خديجة بنت خويلد.
الحقيقة الأخرى المفرحة ،انهم فشلوا فشلا ذريعا في افراغ المدرسة الثانوية الشاملة الرسمية من الطالبات ، وبقيت المدرسة الثانوية الشاملة مختلطة كباقي عشرات المدارس الابتدائية والاعدادية في ام الفحم ، ما عدا مدرستي الزهراء،وعمر بن الخطاب اللتين اقيمتا منذ سنوات طويلة وقبل نشوء الحركة الاسلامية في البلاد ،وفي ام الفحم ايضا.من الواضح انه من حق كل ولي امر طالبة ، ان يختار لابنه ولابنته المدرسة التي يريد، والكثيرون يبعثون اولادهم وبناتهم للدراسة خارج مدينة ام الفحم ،حتى منذالمرحلة الإعدادية، وبعض هذه المدارس اهلية في مدينة الناصرة وغيرها.
في هذه الأثناء حدث امر خطير، بعيدا عن روح التسامح الفحماوية، في المدرسة الثانوية الرسمية للبنات ،غير المختلطة ،أي مدرسة خديجة بنت خويلد .
بعد عملية الخصخصة الرأسمالية الاسرائيلية التي اصابت جميع المرافق الاقتصادية والاجتماعية ، بما في ذلك التعليمية اصبحت شركات القوى العاملة تقوم بمراقبة امتحانات البلوغ (البجروت ).
وقبل عدة ايام حضر فريق من هؤلاء المراقبين والمراقبات لاجراء امتحان اللغة الانجليزية ، في المدرسة الثانوية للبنات ،مدرسة خديجة بنت خويلد . وكان من بين المراقبات اثنتان عربيتان مسيحيتان ،تعلقان حول عنقيهما الصليب . هذا الامر لم يرق لمدير المدرسة ،الشيخ مصطفى ابراهيم محاميد . الذي قال لمراسل "الاتحاد" انه توجه للمسؤول عن هاتين المراقبتين ،طالبا منهما اخفاء الصليب ، معللا ذلك "بحرصه"على المراقبتين ، من ان تحرجا ،من سؤال هنا ، او سؤال هناك .
ولان المدرسة تهتدي بهدى الاسلام الحنيف ..فإن المسؤول عن المراقبين والمراقبات تجاوب معه ،وان المراقبتين لم ترفضا ذلك الخ .!!
عندما سمعت عما جرى في مدرسة خديجة بنت خويلد ، الثانوية للبنات الفحماوية ، كان من الصعب عليّ ان اصدق ذلك خاصة ونحن في بداية الألفية الثالثة ،
الا ان اقوال مدير المدرسة لمراسل" الاتحاد "، اذهلتني ،المدير جاء "ليكحلها فعماها" كما يقول مثلنا العربي الأصيل . حضرته على ما يظهر يعتقد اننا نعيش ،في دولة شريعة و مدينة شريعة ..حضرته لم يسمع عن قانون "احترام الانسان وحريته " حق الانسان باختيار دينه ، ورموزه الدينية ،والوطنية والانسانية والحضارية ..
ألا يعرف حضرة مدير المدرسة ،ان مدرسته رسمية (حكومية ) تمول من قبل دافعي الضرائب في البلاد ،عربًَا ويهودَ على اختلاف دياناتهم !! مدرسته تمول من الضرائب التي تخصم من هاتين المراقبتين اللتين طلب منهما اخفاء رمز ديني تؤمنان به ..
ماذا سيكون موقف الشيخ مدير المدرسة لو كان الامر عكسيا ،لو حضرت مراقبات مسلمات يعلقن الهلال او المصحف في اعناقهن ،لمراقبة امتحان البلوغ (البجروت) في مدرسة اهلية اومدرسة ثانوية رسمية في الناصرة ،او حيفا ،او عبلين. لو طلب منهن اخفاء الهلال ، او المصحف ،بنفس الذرائع ، والاعذار التي سوغها حضرته ؟؟
ماذا سيكون موقفه ،هو والحركة الاسلامية التي ينتمي اليها ، لو طلب من طالبة مسلمة جامعية ترتدي الحجاب وتعلق في عنقها الرموز الدينية ، بخلع الحجاب واخفاء تلك الرموز بنفس الذرائع والأعذار التي سوغها حضرته ؟؟
اترك للقارئ الذكي النبيه الاجابة على تلك التساؤلات.
لكن ارى لزاما علي ان اسأل حضرة المدير وحركته الاسلامية ، اين التسامح ، والروح الفحماوية التي تحترم الآخر،بقوميته ومعتقداته ،الدينية والفكرية،والاخلاقية والإنسانية .!!
لماذا نقوم بتقسيم ابناء الشعب الواحد،ابناء الامة العربية الواحدة ،على خلفية المعتقد الديني والرموز الدينية !!
ألم يسمع حضرة المدير وحركته الاسلامية ،المقولة الدينية ،الوطنية ،الانسانية ،الحضارية المشهورة ،"الدين لله والوطن للجميع "و"كل من على دينه الله يعينه".
وفي الختام،كيف سمح حضرته لنفسه ان يقول لمراسل " الاتحاد"ان ما قام به هو عملية وقائية "خوفا من الاحراج من سؤال هنا وسؤال هناك" عن أي احراج تتحدث !! كيف سمح لنفسه زج الدين الاسلامي بهذا الامر قائلا :نحن مدرسة تهتدي بالدين الاسلامي" وهل الدين الاسلامي يحرم على الآخرين ان يعلقوا رموزهم حول أعناقهم!!
ابهذا اراد حضرته ،ان يقول لنا ، انه وادارته ، لا يعملون،على روح المحبة والتسامح ، المبنية على التعددية ،وعلى حرية الاعتقاد الديني والفكري والسياسي والاجتماعي !!
(ام الفحم )
