صلة القربى بيننا يا جريس ، قوامُها دمٌ وروحٌ. دمٌ من نُسْغِ شجرة العائلة الواحدة التي ننتمي اليها، وروحٌ من نفحِ جرنِ المعمودية الذي جعل من والدي أبا لك بالروح حسب العقيدة المسيحية. وعندما تصبح صلةُ القرابة مِقصَّ رقابة أفرضُه على نفسي توخِّيًا للموضوعية، يصبح التأبين، يا عزيزي، صعبا إن لم يكن شاقا.
لكن هذا المقصّ مهما تطاول وتمادى، سيبقى عاجزا عن اختزال رقعةِ حياتِك العريضة بنشاطاتها والواسعة بانجازاتها، ممّا يضعُني في حَيرة من أمري، فيجعلني أتساءل في هذا الموقف، عمّا اتحدث:
أأتحدثُ يا جريس عن والديك الكريمين الكادحين اللذين عجنا ترابَ ارضِنا الزراعية الجبلية في فسوطة، خبزَ شرفٍ وكرامة؟
أأتحدثُ عن طفولتك وقد ولدتَ وليس في فمك ملعقة من ذهب؟ لقد كان ذهبُك في فمك النافخِ دائما على أكفٍّ تحركُها سواعدُ الجدّ والعمل؟
أأتحدثُ عن شهادتك الجامعية العليا التي اردْتَها لا حاجزا يفصلك عن الناس إنما جعلتَها جسرَ تواصلٍ معهم.
أأتحدثُ عن كونك جامعيا طلائعيا، أبى ان تنفخه شهادتُه الجامعية العليا، وتخفّف وزنه النوعي فيبدو لنفسه مرتفعا فوق الناس؟. لقد جعلتَ من شهادتك تلك، مرساةً تثبّتُ سفينة حياتك إلى رصيف ميناءٍ شعبيّ واقعيّ معيش.
أأتحدثُ عنك متعلما أبى ان ينزوي في برجه العاجي، فجعلتَ من علو برجك مطلّا لرصد معاناة الناس كمُنطلقٍ للتفاعل معهم؟.
أأتحدث عنك متكلما مفوّها تنصاع لك الكلماتُ وتستسلم النكتة، لتُطلق عِنانها في سياقها الصحيح، كي تزرع بسمةً على شفاه مستمعيك، بسمةً تبدّد ضجرهم وتخفّف توترهم وتشقّ طريقَ رسالتِك الى عقولهم وقلوبهم.
أأتحدثُ عن الرمزية في موقع ولادتك؟. فلقد ولِدتَ على بعد امتار من هذه الكنيسة، في شارع الزقاق، مركز فسوطة القديمة. فاصبحت كلمةُ مركز كلمةً مركزيةً في محور مسيرة حياتك. اشغلتَ محلّيا هنا في فسوطة، مركزا مركزيا كرئيس للسلطة المحلية على امتداد خمس سنوات، وعملتَ مُركّزا لكلية اللاهوت في مؤسسات مار الياس في عبلين، ومديرا عاما لمركز اللقاء للحوار الاسلامي المسيحي، على امتداد اكثر من ثلاثة عقود متتالية، نعم مركز اللقاء هذا الذي نحترم دوره في خدمة شعبنا العربي الفلسطيني. وها هي الاقدار قد اختارت لك، ساحة الفاتيكان بالذات وهو مركز الكثلكة في العالم، لتكون موقعا لانهاء مسيرتك الحياتية.
أأتحدث عن فكرك المبدع وقلمِك المدرار وقد أثريتنا بمؤلفات أثرت بدورِها، جميعَ المهتمين باستمرار الوجود العربي المسيحي في شرقنا، ولا سيما في زمننا الرديء هذا، حيث التكفيريون يصولون ويجولون ويجرفون ويجرّفون بجهلهم وانغلاقيتهم وظلاميتهم ورجعيتهم، حضارةً عمرُها عمرُ التاريخ.
لكَمْ كنتُ أودُّ يا عزيزي، أن أتحدث عن كلِ هذا وعن أكثرَ من هذا بكثير. لكني لا اريد ان أثقل اكثر على وقت محبيك ولا سيّما الضيوف منهم، الملتئمين الآن حول نعشك وقد منحونا بحضورهم دفئا افتقدناه بغيابك. رحمك الله.
*(هذه الكلمة أُلقيت اثناء مراسيم جنازة الدكتور جريس سعد خوري في فسوطه يوم الثلاثاء 9/2/2016 )
