تشهد المنطقة في الأسابيع الأخيرة حراكًا مفتعلاً، يتمثل في لقاءات ومباحثات ومحادثات أجرتها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مع أنظمة مصر والأردن وقطر، تجري عنونة فحواها بـ "دفع الجهود السلمية".
اللقاء الأخير بين الملك عبدالله ونتنياهو، مثلا، جاء بعد قطيعة أكثر من سنة. وجاء، شأنه شأن اللقاء مع مبارك، نزولاً عند توجيهات من الإدارة الأمريكية، بهدف "تلطيف الأجواء" والتخفيف من وطأة عزلة الحكومة الإسرائيلية الرفضية، وتحديدًا في الظرف السياسي الحالي فيما يتعلق بإطلاق المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين.
بالنسبة لإسرائيل، تكمن أهمية هذه اللقاءات في مجرّد عقدها، لأنها تخدم الادعاء الديماغوغي لحكّامها وكأنّهم يلهثون وراء السلام لهثًا، بينما يرفض الفلسطينيون مجرّد مشاطرتهم مائدة التفاوض. لذا، فإنّ حاجة إسرائيل إلى مثل هذه اللقاءات، التي لا تتمخض عن أكثر من الصور الفوتوغرافية، تؤشر على أزمتها السياسية. لكنه لمن دواعي السخرية (لكن ليس المفاجأة) أن تقبل تلك الأنظمة العربية لعب هذا الدور بأوامر من واشنطن.
مؤشر آخر على أزمة حكومة اليمين جاء على شكل اتهام كاله رئيسها نتنياهو هذا الأسبوع لـ "جهات داخل إسرائيل" بعرقلة المفاوضات المباشرة، قصد فيه، حسب التقديرات، جهات في حزب "كاديما" تحث الفلسطينيين على رفض الدخول في هذه المفاوضات.
الأسبوع الذي أعلن عنه الرئيس الفلسطيني للحسم يشارف على الانتهاء، ولا جديد في الأفق من حيث تحصيل ضمانات حقيقية لمرجعية المفاوضات، خاصة في الملفات الأساسية، كالحدود والاستيطان. ورغم الضغوطات الأمريكية والأوروبية، والتواطؤ الرسمي العربي معها، فإننا نتوقع من القيادة الفلسطينية ألا ترضخ لها، وأن تجيد قراءة الخارطة واستغلال وضعية إسرائيل الحرجة دوليًا.
في ظل هذه الضغوطات الرسمية المتعددة المصادر، المطلوب هو تصعيد الضغط الشعبي لانتزاع الضمانات والالتزامات المطلوبة، وعدم لحس الموقف العربي من استحقاقات التفاوض المباشر. وإلا فستكون محصلة أية عملية تفاوضية شبيهة باللقاءات الأخيرة، أي مجرّد مناسبة لالتقاط صور تذكارية تخدم إستراتجية الرفض الإسرائيلية دون مقابل يذكر.
* * *
مسؤول: الفلسطينيون يرفضون المحادثات المباشرة مع إسرائيل حاليا
حيفا – مكتب الاتحاد ووكالات – قال مسؤول فلسطيني، أمس الأربعاء، ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) سيبلغ الجامعة العربية اليوم الخميس بأن المحادثات غير المباشرة مع إسرائيل لم تحرز تقدما كافيا لتبرير إجراء مفاوضات سلام مباشرة. وقال المسؤول إن "الرئيس أبو مازن سيخبرهم حتى هذه اللحظة لا يوجد ما يقنعنا بالذهاب إلى المفاوضات المباشرة... لا يوجد ما هو جديد."
وكان الرئيس الفلسطيني قد رفض الضغوط الأمريكية قائلا انه يريد أن تحرز المحادثات غير المباشرة تقدما أولا خاصة في قضايا الأمن وحدود الدولة الفلسطينية. وسيبلغ عباس لجنة متابعة مبادرة السلام العربية في القاهرة اليوم بوضع المحادثات غير المباشرة الحالية التي بدأت بوساطة أمريكية في ايار بعد موافقة الجامعة على إطار زمني مدته أربعة أشهر ينتهي في أيلول المقبل.
وكانت المرة الأخيرة التي اجتمع فيها المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل مع الرئيس الفلسطيني في 17 تموز في رام الله. وقال مسؤولون فلسطينيون انه خلال هذا الاجتماع رفض عباس طلبا أميركيا ببدء محادثات مباشرة. ويقول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو انه يريد بدء محادثات مباشرة مع الفلسطينيين على الفور. لكن المسؤول الفلسطيني قال "سنقول للعرب إن الأميركيين تقريبا لم يأتوا بشيء. على الأغلب سنكمل الشهرين الباقيين وسنرى ماذا يمكن أن يحصل.
من جانبه عبر السفير الأميركي السابق في تل أبيب، مارتين إنديك، عن توجهات الإدارة الأميركية حيال العملية السياسية عندما اعتبر أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو و عباس (أبو مازن) والإدارة الأميركية سيسعون للتوصل على اتفاق حول حدود الدولة الفلسطينية وأن قضية المستوطنات ستحل نتيجة لاتفاق الحدود.
وقال إنديك في مقابلة أجرتها معه صحيفة هآرتس ونشرتها أمس، الأربعاء، "لا أعتقد أن نتنياهو أو أبو مازن، وبالتأكيد ليس (الرئيس الأميركي باراك) أوباما أو (وزيرة الخارجية الأميركية) هيلاري كلينتون أو (المبعوث الأميركي) جورج ميتشل، يريدون السقوط في فخ النقاش حول المستوطنات. أعتقد أن الجميع يريدون التركيز على التحدي المركزي وهو الوصول إلى تفاهم بشأن حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية وقضية الاستيطان ستحل نتيجة ذلك".
وقال إنديك الذي زار رام الله وتل أبيب مؤخرا إنه "مما سمعته في الجانب الفلسطيني، فإن لدي شعور قوي بأن أبو مازن يدرك أهمية الدخول في مفاوضات مباشرة وهو يبحث عن طريقة لشرح ذلك. والسؤال هو هل سيحظى بدعم جامعة الدول العربية... وأعتقد أنه سيصدر عنها تأييد لمفاوضات مباشرة".
وفي رده على سؤال حول استبعاد إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام في ولاية حكومة اليمين الإسرائيلية الحالية قال إنديك "لقد آمنت دائما بأن هذا التحالف سيؤيد نتنياهو بالدخول إلى مفاوضات وربما بالخروج منها مع اتفاق". وأضاف "أعلم أن هذا يتناقض مع الأفكار السائدة لكن نتنياهو تعهد بهذا الحل (دولتين للشعبين) وليبرمان (وزير خارجية إسرائيل افيغدور ليبرمان) مستعد لتسوية إقليمية متطرفة".
ويشار إلى أن ليبرمان أعلن مؤخرا أنه لن يتم التوصل إلى حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني حتى العام 2012 كما أنه يرفض مبدأ "الأرض مقابل السلام" ويدعو إلى تبادل أراض وسكان وهو ما يعتبر في أوساط إسرائيلية واسعة أنه ينطوي على فكر عنصري. رغم ذلك قال إنديك إنه "من تجربتي مع ليبرمان فإنه لا يتم تقديره بالشكل المناسب لأنه يلعب في أحيان كثيرة في ساحة جمهور ناخبيه" واعتبر أن "هذا لا يعني أنه لن يؤيد اتفاقا".
واعتبر إنديك أيضا أن المطلب المركزي لليبرمان هو الانفصال عن الفلسطينيين وأن هذا ما يعنيه اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين. ورأى أنه "كلما تقدم نتنياهو بسرعة أكبر للتوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات المقبلة (في إسرائيل) فإنه سيتمكن من التوصل إلى اتفاق".
وحول "الساعة الموقوتة" للبرنامج النووي الإيراني قال إنديك إنه "يوجد الكثير من الساعات الموقوتة في الشرق الأوسط، ساعة (الرئيس المصري حسني) مبارك وساعة (رئيس الحكومة اللبناني سعد) الحريري والملك عبد الله السعودي وساعة الانتخابات لدى بيبي، والطريق الأفضل للتأثير على هذه الساعات هي طرح مبادرة للتقدم بدلا من الرد وجعل الآخرين يستغلون عدم قيامك بالحسم".
* * *
ليبرمان: تم ترتيب لقاء نتنياهو مع ملك الأردن منذ أسابيع
حيفا – مكتب الاتحاد – جدد وزير خارجية إسرائيلي أفيغدور ليبرمان، أمس الأربعاء، التأكيد على أن إسرائيل لا تعتزم تمديد تعليق البناء في مستوطنات الضفة الغربية بعد أيلول المقبل، ورفض الربط بين التعليق وبين إجراء مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل. وقال ليبرمان في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الأسباني ميغيل موراتينوس إنه لا مجال للربط بين المفاوضات المباشرة وتجميد البناء في المستوطنات، رافضا بهذا أحد الشروط الأساسية للسلطة الفلسطينية للانتقال من المفاوضات التقريبية إلى المباشرة.
ونقلت الإذاعة العامة الإسرائيلية عن ليبرمان قوله إن "لقاء رئيس الحكومة (بنيامين نتنياهو) مع ملك الأردن (عبد الله الثاني) في عمان أمس كان معروفا لي، وقبل عدة أسابيع تحدثت مع رئيس الحكومة حول الزيارة المخطط لها وبتفاصيلها". وشدد ليبرمان على أن "ثمة أهمية لموقف الاردن بشأن البدء في مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين وخصوصا قبيل اجتماع لجنة المتابعة لجامعة الدول العربية".
ويذكر أن الجانبين الإسرائيلي والأردني أعلنا عن لقاء نتنياهو وعبد الله الثاني بعد انتهاء اللقاء.
وقالت صحف إسرائيلية، أمس، إن الرئيس الأميركي باراك أوباما مارس ضغوطا على عبد الله الثاني لكي يوافق على التقاء نتنياهو لتبديد التوتر بين الأخيرين وقطيعة منذ أكثر من عام. وذكرت صحيفة هآرتس أن رئيس الموساد مائير داغان هو الذي بادر لعقد اللقاء بين نتنياهو وعبد الله الثاني وشارك فيه. ونقلت الصحيفة عن مصدر سياسي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن اللقاء عُقد على أثر جهود كثيرة بذلتها الإدارة الأميركية بهدف تبديد التوتر بين إسرائيل والأردن. وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت إنه أمكن عقد اللقاء بعد أن طالب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي من الإدارة الأميركية بالعمل على "إذابة الجليد بين نتنياهو وعبد الله".
ومن جانبه، أعرب موراتينوس عن تأييده لإطلاق المفاوضات المباشرة ووصفها بأنها أفضل طريق للتقدم ودعا إلى الشروع فيها على وجه السرعة ودون شروط مسبقة. وأكد الوزير الأسباني أن المجتمع الدولي لا ينوي إسداء المشورة لإسرائيل والفلسطينيين فيما يخص طريقة تسوية النزاع ولكنه ينوي تقديم الدعم للجانبين وترك القرار لديهما بالنسبة للحلول الوسط المقبولة.
ومن جهة أخرى، كشفت تقارير سورية أمس أن خمس دول عربية سترفض خلال اجتماع لجنة مبادرة السلام العربية الخميس السماح للفلسطينيين للانتقال إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وعلمت صحيفة (الوطن) السورية شبه الرسمية من مصادر موثوق بها في القاهرة أن سوريا ولبنان والجزائر وقطر والسودان سترفض دعم مثل هذا القرار، ولن تؤيد إعطاء الغطاء العربي له. وفيما يتعلق ببقية الوفود، قال المصدر إنها ستؤيد أو تمتنع عن التصويت حسب حجم الضغوط الأمريكية عليها.
كما عملت الصحيفة من مصادر داخل المجلس الثوري لحركة فتح أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قال في الاجتماع الأخير: أنا تحت ضغوط كبيره جداً من العالم لكن أنا خائف من ضغوط الأشقاء، في إشارة إلى أن عددا من الدول العربية يتعرض لضغوط كي تقوم لجنة مبادرة السلام بتقديم غطاء سياسي للانتقال لمفاوضات مباشرة.
