صَحراء التِّيه العربيِّ

single

لَم أنتظر من مجيئه إلى بلادي شيئًا، كما أنِّي لَم أبنِ أمنياتي وتمنِّياتي لشعبي في التَّحرُّر والعودة والسَّلام العادل على زيارته ولَم تكُن لي آمال خاصَّة من قدومه إلى أرضنا المقدَّسة لأنَّه من يأمل منه ومن حكومات بلاده المتعاقبة شيئًا كمن يبني بيته على الرِّمال، ويجاور الثَّعالب، فيكون أساسه واهيًا لا أمن فيه ولا أمان، ولَم أتوَخَّ "من الأسْود المخصيِّ مكرمةً" عندما وصل إلى سدَّة الحكم في الانتخابات الرِّئاسيَّة الأولى والثَّانية، في تلك الولايات المُتَّحدة مع غيرها، من دول محور الشَّرِّ ومحراك الدَّمار والخراب مع أقزامها وعملائها وغِلمانها في شرقِنا العربيِّ الجريح، ضدَّ شعوب مشرقنا العربيِّ الشَّاميِّ، وأخصُّ منهم الفلسطيني والسُّوري واللبناني، حيث نحتَت هذه الدُّول في قلبها الضَّغينة والبغض ووشمت على جبينها الحقد والاحتلال والاستغلال والظُّلم والعنف، كيف لا وقد تأسَّست ولاياته قبل قرنين وثلاثة عقود أو يزيد من الزَّمن على أرضٍ ليست أرضها، وحين قدِموها، كانوا بغالبيَّتهم هاربين من حُكم العدالة في اوروبا على جرائم عديدة ارتكبوها هناك، حيث دأبوا بوصولهم القارَّة الشَّماليَّة وبشكلٍ منهجيٍّ على تصفية وإبادة أهل البلاد الأصليِّين من الهنود الحمر، بعمليَّة تطهير عرقيٍّ مدروسةٍ بإحكام، وبعدها خطفوا زنوجًا من أفريقيا، ترانسفير سكَّاني، ليكونوا عبيدًا في بيوتهم وخدمًا في حقولهم ومزارعهم أسوةً بالدَّواب التي يُسخِّرونها للعمل، دون أيِّ قيمٍ إنسانيَّة، وتعاملوا معهم بكلِّ عدوانيَّة وغرائزيَّة استعلائيَّة من منطلق الحفاظ على "طهارة لون البشرة البيضاء" وبفصل عنصريٍّ رهيبٍ، عدم الاختلاط بهم وبنظرة دونيَّة إليهم، لقد قامت هذه الولايات على باطل فكيف لها أن تحكم بالعدل والإنسانيَّة والمنطق وتفرِّق ما بين الحقِّ والباطل..
جاء أوباما ليُطمْئن الحكَّام في بلادنا، بعد أن تَصالح مع رئيسها وصالحَه مع أردوغان،
ليُتابعوا السَّير الحثيث والتَّمادي في غيِّهم وبطشهم ولا مبالاتهم واحتلالهم وتآمرهم وعدوانهم على دول المنطقة مثل سوريا وإيران والعراق والمقاومة في لبنان وجاء أيضًا ليقول للطَّرف الفلسطينيِّ انَّه يحقُّ له بأن يستمرَّ في المراوحة مكانه في صحراء التِّيه العربيِّ لعقود قادمة أخرى ويُطوِّر نهج الخلاف والانقسام والتَّشرذم داخل الوطن إلى ما شاء المُحتلُّ وعُربانه وغُربانه، من الخليج إلى المحيط.
حين وطأَت رجلا أوباما أرض المطار وجد في استقباله، فضلاً عن بروتوكول الاستقبال الرَّسمي، وفدًا عربيًّا مؤلَّفًا من رجال الدِّين من مختلف انتماءاتهم الطَّائفيَّة، وحين خطب في جمهور الطُّلاب الجامعيِّين، في الجامعة العبريَّة، إهتمَّ إعلام الدَّولة أن يصوِّر له طالبات وطلابًا عربًا في القاعة، ليساهموا، عن قصد أو عن غيره، وبشكلٍ مباشرٍ في المسرحيَّة الاسرائيليَّة المصوِّرة بأنَّ العرب ينعمون بالسَّعادة والمساواة والإخاء ويعيشون بانسجام وتجانس فسيفسائيٍّ رائع مع إخوتهم اليهود في واحة الدِّيمقراطيَّة "في بلاد الحليب والعسل" في وسط الرُّبع الخالي العربيِّ دائم القحط والاحتراب والقتل والعنف..
زيارة أوباما كما زيارات غيره من زعماء بلاده لا تخدم مصالح المُضطَّهدين والمظلومين قطّ، بل تُساهم في تعميق الظُّلم في وطني والتَّآمر على بلدي..
تُرى: كم من الأجنحة ستُقطَع وكم من الحمام سيُذبح وكم من الدِّماء ستُسفَك، يا أيتام جُحور الرِّدَّة العربيَّة، حتى نبدأ من الاقتراب إلى الحقيقة ونلمسها حتَّى ننتصر "فَكُلَّما احْتَرَقَ الجَناحان اقْتَرَبْتُ مِنَ الحَقِيقَةِ"..

قد يهمّكم أيضا..
featured

حول مفهوم الديمقراطية

featured

وثيقة كينغ ويوم الأرض الأخير

featured

رئيس الاوروغواي خوسيه موخيكا: رب أخٍ لم تلده أمك

featured

هايتي والاحتلال

featured

وعلى كتفي نعشي ... سأمضي

featured

خارطة طريق فلسطينية