طالعتُ بتعمق ما كتبه الرفيق رمزي حكيم بعنوان "قراءة مجددة لـ"وثيقة كينغ"" (ملحق الاتحاد، 29.3.2013) حيث يقول في نهاية القراءة انه حاول متعمدًا فكفكة نص الوثيقة وإخضاعها للوضع الراهن – وأريد هنا قراءة الوثيقة وتحليل أحداث يوم الأرض الأخير حسب هذه الوثيقة.
يوم الأرض الأخير كان متميزًا بحضور عشرات الآلاف من المشاركين الذين ساروا مسيرة منظمة طيلة أكثر من ساعة وشارك فيها الرجال والنساء والأولاد والبنات والأطفال والكهول. وتميز هذه السنة بمشاركة كبيرة نسبيًّا لقوى يهودية تقدمية. تقدم المسيرة أعضاء الكنيست العرب ورؤساء السلطات المحلية العربية من الجليل والمثلث والنقب على اختلاف توجهاتهم السياسية.
وكانت صورة وحدوية رائعة تقول اننا مهما اختلفت اجتهاداتنا السياسية لكننا موحدون في قضايا الأرض ويوم الأرض. وسجلت المسيرة ويوم الأرض نجاحًا باهرًا طيلة المسيرة وحتى بداية المهرجان الخطابي، عندها حصل تصرف غريب مستهجن ومستنكر وهو الاعتداء على الصحافي الياس كرام من قناة الجزيرة، مما أضفى جوًّا من الفوضى وحرف يوم الأرض عن عناوينه وشعاراته وبدأت الأخبار تتحدث عن الاعتداء وتركت تغطية يوم الأرض وقضايا الأرض والمسكن، قضايا مناطق النفوذ، قضايا اسعار قسائم البناء وأسعار المزاودات المتبعة في دائرة أراضي إسرائيل. قضايا هدم البيوت وتهجير أهلنا في النقب.
فمن قام بهذا العمل أسدى خدمة ممتازة للسلطة، فبدل ان يحرجها ويضعها في موقع المساءلة في عدم استجابتها لاستحقاقات الجماهير العربية لتطوير وتقدم حياتها، تنبري السلطة لتدافع عن حرية الصحافة وحياة الصحافيين.
هنالك مثل شعبي يقول "المجنون لا تشنقه ارمِ له حبلا وهو يشنق نفسه".
فلماذا نخرب انجازاتنا بأيدينا. لدرجة ان البعض يدعي ان المشاركة في مسيرات يوم الأرض هي في تناقص من سنة لأخرى – وهذا غير حقيقي – بسبب أحداث العنف والشغب التي تحصل في هذه المسيرات. وهنالك من يقترح إلغاء الاحتفالات وان نترك أهل الشهداء يتوحدون في ذكرى شهدائهم بحزن وصمت.
ليست لديّ عقدة الخوف لاعتبر ان السلطة بشكل مباشر هي من تدفع بالذين يقومون بخلق أجواء المشاحنة والعنف. ولكن من المؤكد ان السلطة هي المستفيد الأول.
ففي البند "ج" من الوثيقة تحت عنوان "الاقتصاد والعمل" يجري الحديث بوضوح عن ضرورة عدم إعطاء العرب أية إمكانية للشعور بالاطمئنان الاجتماعي والاقتصادي، ذلك ان هذا "الاطمئنان يحرر الفرد والعائلة من القلق ومن المشاكل الاقتصادية" ويعطي العرب "الشعور بالقوة وإمكانات الاحتجاج الشعبي والانضمام إلى الجانب المناضل".
يقلق السلطة ان تعي الجماهير العربية أهمية سلاح الاحتجاج الشعبي. ويقلقها أكثر ان تنضم هذه الجماهير إلى الجانب المناضل.
السلطة تريد لمجتمعنا ان يبقى منكفئًا على ذاته، منقسمًا ومستسلمًا، يائسًا ومتدنيًا بمعنوياته، هزيلا في أمنياته وتطلعاته. يحمل صورة سلبية عن نفسه. تهيمن عليه حالة التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي والسياسي، وحالة الفعل القليل والانفعال الكثير.
فكم من مبادرات خلاقة في مجتمعنا أفشلتها مناكفات سخيفة.
أساس وثيقة كينغ كانت كيفية الحد من تصاعد قوة الجبهة والحزب لأنهما يشكلان عاملا أساسيا في تنظيم الأقلية العربية الفلسطينية في وطنها ورفع جاهزيتها الكفاحية والوطنية.
كذلك تؤكد الوثيقة على خطورة التواصل الجماهيري مع أفكار ونضالات الحزب الشيوعي وخطورة ان يسيطر الحزب والجبهة على السلطات المحلية. حيث ستكون أدوات فعالة لتعبئة جماهيرية ووعي مجتمعي يحرج السلطة ويفضح ممارساتها وسياستها التمييزية.
فيوم الأرض هو يوم نضالي ولا مجال للتفكير بإلغاء احتفالاته السنوية. إنما علينا جميعًا، كل الأطر السياسية ان نتفق على شعارات، هتافات وأعلام يوم الأرض. وان تكون لدينا قدرة على تجنيد منظمين يحافظون على التزام الجميع على ما اتفق عليه. ونمنع جر الجماهير لأعمال عنف ومشادات ومشاجرات تستحوذ على الحيز الإعلامي.
ونحن بالأساس محرومون من الحيز الإعلامي الذي يطرح قضايانا وطلباتنا وتطلعاتنا. واحتفالات يوم الأرض والمسيرات والشعارات والهتافات تأتي صرخة لتصل الإعلام ليوصلها لآذان وعيون كل الناس لخلق رأي عام داعم لمطالبنا.
وللأسف عندما تتجند وسائل الإعلام لتغطية هذا النشاط الجبار يُقابَلون بالاعتداء. من هذا المنطق الأعوج فعلينا طرد طواقم القنوات الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية أيضًا.
فلنعدْ لوثيقة كينغ التي تريدنا منكفئين على ذاتنا، فلن نقبل بذلك نريد ان نوصل صوتنا ومطلبنا الى كل وسائل الإعلام بكل القنوات حتى يعرف القاصي والداني عن قضايانا ويشكل ضغطًا على متخذي القرار حتى ينصفوا هذه الجماهير ليس لكرم أخلاقهم إنما كي لا تنفضح أوراقهم.
لنحيِ كل يوم ارض في السنوات القادمة بجماهيرية مكثفة وحشد موحد، يخلو من أعمال الشغب والاعتداءات. لنجندْ كل وسائل الإعلام لتقف بجانبنا وتغطي نشاطاتنا، هذا وفاؤنا للشهداء، هذا عهدنا للأرض، وهذا ردنا على كينغ وعلى كل العنصريين.
