لا تواطؤ ولا تخاذل في مواجهة الأصولية!

single
تتكرّر وتتكاثر وتتصاعد، في الآونة الأخيرة، بين ظهراني جماهيرنا العربية في البلاد، مظاهر وظواهر هي غاية في الخطورة – من تقييدات واعتداءات على الحريات العامة والخاصة، تعبّر عن تفشي أنماط تفكير وممارسات متطرفة، تتقنّع بالدين.
فمن منع عرض أفلام ومسرحيات وإقامة أحداث رياضية في قرانا ومدننا؛ إلى "تكفير" وتهديد كل ما ومَن لا يتّسق مع المفهوم الأصولي-الوهّابي-الصحرواي للإسلام؛ إلى الفحيح الطائفي البغيض الذي صار زعيقًا في وضح النهار؛ وحتى التحريض الهمجي، مؤخرًا، على مجموعة شابات وشبان اقترفوا "المعصية" الكبرى حين رقصوا رقصة الدبكة التراثية الفلسطينية العريقة!
إنّ الحركات الوهّابية، على اختلاف تلاوينها وتفاوت درجات براغماتيتها، لا تشكّل تهديدًا لحقوق الناس فحسب، بل إنها تتطاول على هويات الشعوب وعمقها الحضاري. وما نراه هنا في بلادنا ليس إلا نزرًا يسيرًا ممّا يُقترف يوميًا باسم الدين في العالم العربي، من الموصل إلى تدمر إلى صنعاء.
إنّ المعركة مع هذا الفكر الظلامي ومع أصحابه من تجّار الدين والطائفية، بات حاجةً ماسةً، لا تقل إلحاحًا وضراوةً عن صراعنا مع الحركة الصهيونية. فإذا كانت الصهيونية تستهدف وجودنا وحقوقنا من الخارج، فإنّ القوى الظلامية تقوّض حصانتنا الفكرية والاجتماعية ومكنون هويتنا الثقافية والحضارية من الداخل، وتسدي بهذا خدمة كبيرة للصهيونية ولأعداء الشعوب عمومًا.
وقد آن الأوان لبعض القوى أن تعيد النظر في مواقفها المخاتلة، كأقل ما يقال، من حقيقة وجوهر الصراع في المنطقة. فمن برّر وتذرّع وأدلج وشرعن قوى الظلام، تحت شعارات "الدمقرطة" و"مكافحة الاستبداد" و"الخطر الإيراني"، سرعان ما سيجد نفسه في مواجهة معها ومع استبدادها باسم الدين ومع رفضها لأسس الفكر الديمقراطي والتقدّمي.
لا مكان للمهادنة ولا للمداهنة في هذه المعركة. إنها لم تعد معركة على "وجه مجتمعنا" كما يُقال عادةً، بل أصبحت معركة على المجتمع كلـّه، على وجهه وعقله وماضيه وحاضره ومستقبله. وهذه المعركة هي الامتحان الصعب: فمن السهل أن تتخذ موقفًا ضد سلطة جائرة أو عدو مُعلن، ولكن الأصعب هو أن تصطف ضد القمع الذاتي وأن تواجه أعداءً من بني جلدتك. ولا غفران للمتواطئين والمتخاذلين!

()

قد يهمّكم أيضا..
featured

غزة قبل العدوان - الحكمة قبل الشجاعة أحيانا

featured

سياسة التجهيل الرأسمالية !

featured

عليه السلام

featured

مصر في "غرفة الولادة"

featured

العتبة: "وحيدون نحن، وحيدون حتى الثمالة"

featured

سنة جديدة ونضال مستمر

featured

أخانعون ومحرّضون معًا؟!

featured

زيتون وزيت عربيّان مُعبرنان