شطري البرتقالة الفلسطينية في غرام الحياة الأبدية

single


غاب سميح القاسم جسدًا غيبه ذلك الطاعون اللعين الذي يفتك بالبشر، ليقطف زهرات/ وردات/سنديانات وارفة العطاء للمجتمع الإنساني، هذا الطاعون الذي لا يفرق بين إنسان وآخر، ولا بين الأمم والشعوب والقوميات والأديان والأجناس، لا يعلو عليه غني وفقير، فكل طبقات المجتمع تحت رحمته، يتغلغل فيها ليقطف الإنسان المعطاء المنتج والمكافح والمضحي المقدم لبلده وشعبه ومجتمعه وللإنسانية وللتطور والازدهار على شاكلة شاعرنا الكبير سميح القاسم. في الوقت الذي نحن والمجتمع عامة أحوج ما يكون إلى مثل هذه الشخصيات المبدعة سواء في عالم الشعر والثقافة والأدب والمعرفة والعلم وكافة البحوث والعلوم الإنسانية. فلماذا أيها الخبيث الأصفر الغامق والفاتح تنشر وباءك علينا؟ ولماذا تخطف منا كنوزنا البشرية ومصادر تطورنا وتهدم عقولنا، لأنك تخاف من أدمغتنا وعلمنا في القضاء عليك ولو بعد سنة ضوئية.
خطفت من غير موعد ولا استئذان شاعرنا الكبير والمحبوب أبو وطن سميح القاسم، احد ابرز شعراء المقاومة وشاعر العروبة والوطن العربي والإنسانية. وقبل بضع سنوات خطف الموت من شعبنا المعذب القابض على جمرة العودة والنضال شاعر المقاومة الآخر شريك سميح القاسم في المدرسة الشعرية والكفاحية، شاعر الثورة وفلسطين محمود درويش، نصفي البرتقالة الفلسطينية في الشعر الفلسطيني المقاوم. غاب محمود وسميح وهما في عز عطائهما لشعبهما والإنسانية جمعاء، لكن بقيت روحهما التي ولدت في عز التكوين والانتماء والالتحام الأبدي الروحي والإبداعي والنضالي مع شعبهم الفلسطيني أبو التضحيات الجسام على مر مراحل وتطور القرن المنصرم وبداية القرن الحالي. وها هي غزة الشموخ والصمود تعطي النموذج تلو الآخر، في تقديم قوافل الشهداء، وهذا ما سطره شاعرنا شاعر القصيدة والوطن أبو وطن سميح القاسم في قصائده التي تنضح بالحب والتحدي والمقاومة والصمود والشموخ والوقوف في وجه آلة الحرب والقمع والاحتلال والصهيونية والعنصرية والهمجية، منذ حرب حزيران سنة 1967 مرورًا بحرب لبنان وحصار بيروت إلى حرب غزة الأولى والثانية والمستمرة حاليًا.
كانت المرة الأخيرة واللقاء العابر دون تخطيط مسبق، التقينا في مؤسسة الشطر الأول للبرتقالة الفلسطينية، مؤسسة سيد الكلمة شاعر الثورة محمود درويش في كفرياسيف، كان ذلك قبل اقل من ثلاثة أشهر من الآن، تواجد سميح القاسم في رحاب المؤسسة الوطنية، كان مفعما بالحركة ويفيض بكلام ذو شجون في مواضيع السياسة والثقافة والأدب والشعر ومجريات الحياة اليومية، واخذ يسألني القاسم لزيادة الثقة والاطمئنان على صدور صحيفة "الاتحاد" يوميًا، حيث قال كم هي عزيزة على قلبه في بلكون بيته مع كل اشراقة شمس الصباح مع محبوبته السمراء، وهو يمعن النظر كثيرًا من شرفة بيته العامر في قرية الرامة، على جبال الشاغور وجبل حيدر بالذات التي تسند ظهرها الرامة إليه، ويمعن النظر طويلا وخياله يسرح ليرتوي من تلال ومرتفعات جليلنا الأشم، ليقول لي أبو الوطن، ما أجمل الوطن لأنه ينبوع الانتماء والهوية. كان الحديث بيننا عاديًا وصريحًا، اخذ يسأل كي يطمئن على "الاتحاد" التي له ذكريات خالدة فيها، على صفحاتها. وأجبته بأننا في الاتحاد ومنطقة عكا سنحافظ على هذا الإرث والكنز الموروث النضالي الثقافي الكفاحي الوجودي، في استمرارية إصدار الاتحاد يوميًا، وها هي مرت ثلاثون عامًا على إصدارها مع اشراقة كل صباح، بالرغم من الكم الهائل من الصحف الأسبوعية والتجارية، فقال لي سميح القاسم، ان الشعب/ الناس تربت على أيدي ومواقف الاتحاد والحزب الشيوعي، وان موقف جيل المؤسسين سواء للاتحاد أو للحزب، هو الذي صقل الموقف وحسم الانتماء الوطني للجماهير العربية وأخرجها من نفسية النكبة والهزيمة إلى خط المواجهة والتصادم مع السلطة، من اجل الاعتراف بالحقوق القومية واليومية لمن تبقى من الشعب الفلسطيني المنزرع في وطنه والمتغلغل حتى الجذور العميقة في باطن أرضه ومدنه وقراه في المثلث والجليل والنقب، فالاتحاد شعلة كفاحية ومنارة لمن يضل الطريق "فديرو بالكو عليها".
رحل أبو وطن سميح القاسم جسدًا، لكن روحه المرحة وبصماته وتراثه كنز لا يفنى، لقد ترك لنا ولشعبه الذي أحبه وبادله بالمثل تراثًا شعريًا وسياسيًا وأدبيا ترك مسيرة زاخرة بالعطاء والتضحيات الجسام.
بكل شجاعة وشيم مليئة بالفخر والاعتزاز، نال أبو وطن سميح القاسم بشرف لقب شاعر الشعب والوطن والمقاومة سيد القصيدة الثورية والوطنية والأممية، لأنه ابن لهذا الشعب ولهذا الحزب الذي رعاه طيلة أكثر من 50 عامًا من العطاء الثقافي في تقديم ما يستحقه هذا الشعب العظيم الذي ينتمي إليه.
راية جيل يمضي وهو يهز الجيل القادم
قاومت فقاوم




(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أحبائي الاعزاء، الآباء والامهات

featured

"أَقوَى لَنا.."

featured

عودة مصر إلى أفريقيا: طريق معبّد بألغام سعوديّة!

featured

عن المراهقة والمراهقين

featured

عندما يتوحّد الانسان مع الخير والحرية

featured

معركة على ربع الوطن المتبقي

featured

هل نزعة الحرب للحكومات الاسرائيلية شلّت المجتمع اليهودي وأدّت به الى الانتحار العقلي!؟

featured

"فِش مين يدفش"؟