"أَقوَى لَنا.."

single

حدَّثني صديقي عن غايته في ترميم بيته بعد أن اقتناه قبل عقدين من السِّنين، حيث كان قد أوكَل ذلك لثلاثة متعَهِّدين، كلٌّ حسب كارِهِ المُبدع به، البنَّاء والحدَّاد والنَّجَّار، إذ أنَّ عملَ الأوَّل مرتبطٌ بإنجاز ترميم الثَّاني أو الثَّالث، ليُشكِّل كلٌّ منهم سلسلةً من حلقات لا تكتمل دائرتها دون عناق حلقته بتوائمها. وإذا كان قد خطَّط صديقي لترميم بيته مدَّة من الزَّمن الثَّمين بحُكم عمله ووظيفته، فإنَّه يترتَّب على هؤلاء الحِرَفيِّين الالتزام بالموعد المُحدَّد الذي كانوا قد قطعوه لصديقي ولأنفسهم. وإذا لم يلتزم أحدهم بالوقت، وطالت مدَّة عمله، أخَّر دخول زميله للعمل وطال انتظار الجميع.
وعندما تكون للضَّرورة أحكامها، يمكن فهم التَّأخير أو التَّأجيل، كالمفاجآت المرتبطة بصحَّة هذا العامل أو أقاربه من الدَّرجة الأولى أو بوصول المواد الخام للمتعَهِّد..
لكن عندما تكون ضرورة المتعهِّد منوطةً بوعدٍ أخلفه، نتيجة التزامه مع غيره في أعمال أخرى، ليعمل عند صديقي يومًا وعند غيره يومًا آخر وبهذا يضع عشرين بطيخة بين يديْه، وتكون محافظته على البطِّيخ من الكسر والسُّقوط من مستحيل المستحيلات، حيث ?لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا..? وطبعًا هذه المهَمَّة تكون  أوسع بكثير ممَّا كلَّف نفسه ويكون قد حمَّل نفسه أكثر من طاقته، ويصدُق به المثل القائل "حمَّلوه عنزة.."، وبِئْسَ الخُلْف للوعد، والوعد الباطل.
إِنَّ إخلاف الوعد هو ضلع من مثلَّث النِّفاق لأنّه جاء في الحديث الشَّريف: آيَةُ المُنَافِقِينَ ثَلاثٌ، إِذَا حَدَّثَ كَذَّبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائتُمِنَ خَانَ.
ولهذا، باعتقادي، كلُّ من يسمح لنفسه إخلاف وعده يسمح لها أيضًا بالكذب وبخيانة الأمانة ويصبح قول الشَّاعر صادقًِا بحقِّ أعضاء مثلَّث المنافِقين: "وَمَنْ يَهُنْ
يَسْهُلُ الهَوَانُ عَلَيْهِ وَمَا لِجُرْحٍ مَيِّتٍ إِيلامُ"..ويعتاد الإنسان على ذلك ليُصبح منهج عمله وحياته وهذا يُسقط مجتمعنا إلى ?..أَسْفَلِ سَافِلِين?.
لكن، وبعد أن أُنجز العمل تنفَّس صديقي الصَّعداء مرَّتين، لأنّ التَّرميم قد تمَّ على أحسن وجه، ولأنَّه ارتاح من هاجس الهواتف المحمولة والجوّالة لملاحقة وعود المُتعهِّدين كي يُتمِّموا ترميمهم.
وحين انتهى صديقي من تذمُّرِه وارتاح، تذكَّرت قِصَّتي مع "حُمَاة الدِّيَارِ.."! 
فما أجمل أن نكون صادقين مع أنفسنا أوَّلاً ومع غيرنا لاحِقًا لأنَّ "الصِّدْقَ فِي أَقْوَالِنَا أَقْوَى لَنَا وَالكَذِبَ فِي أَفْعَالِنَا أَفْعَى لَنَا". ونِعم القول والوَعد الصَّادق.

قد يهمّكم أيضا..
featured

استعراض الطغمة في "سان جيرمان دي بريه"

featured

هؤلاء اخوتي الذين لم تلدهم أمي

featured

إذا لم تصل المياه.. الأغوار على أبواب كارثة

featured

نخب "الجنود" !

featured

توفيق طوبي سيبقى عصيًا على الغياب

featured

ولتكن وحدتُنا باقةَ وردٍ

featured

تغيير الطاقة وتغيير التوجّه

featured

"قانون النكبة": خطأ لا أخلاقي آخر