إعلان براءة ومقاطعة

single

كانت الحياة في القرية بسيطة وفي بساطتها طلاوة من نوع خاص وإن قست. كان دبّاب الصوت مثلا أو الناطور يجوب الأزقّة والحارات وهو يدبّ الصوت ينادي على بقرة قشطت وضاعت. أو عجوز فقدت صرّتها أو بقجتها (وهذا قلّما يحدث). أو يعلن عن بدء موسم لمّ الزيتون. كان يحدث كلّ هذا على قلّة، وكان الناس يقبلونه ويرضونه لأنه كان جزءًا من تكوينهم البيئيّ وهم ما كانوا يملكون خيارًا آخر أصلًا. على حدّ علمي، لم يكن هناك فيس بوك في الخمسينيّات والستينيّات ليتواصل الفلاحون في البلد... اليوم تجوب السيّارات كلّ شوارع البلد بمكبّرات الصوت وبأعلى وتيرة ممكنة تعلن ما تشاء. كنا نفيق على أصوات العنادل والحجل خاصة من يقيم منا عند أطراف البلد مثلي. صرنا لا ننام ولا نفيق إلا على الأصوات المكبّرة آلاف الأضعاف بمكبّرات الصوت. وعندنا في البلد يُسمح لأيّ واحد من البلد وخارجها أن يركّب مايكروفونًا ويطوف كل بيت وحارة وشارع ليقول ما يريد. يقتحم عليك خلوتك ويصادر حقّك في الراحة في داخل بيتك. إذا كانت محلات الخضار والفواكه والحلويات والمخابز والمسامك والملاحم تملأ البلد فما الحاجة حتى تقلق راحة الناس كلّ هذه السيارات بمكبّرات الصوت؟! وكلّ بياع وله نغمة خاصة وكأنهم يتنافسون في أراب آيدول أو ذي فويس... تقدّم العالم وتطوّر. أعلم أنّ وسائل التواصل الاجتماعي اليوم تنشر الأخبار بين الناس مثلما تنتشر النار في الحصيد. وسمعت أنّ الكثيرين يسيئون استعمال هذه الوسائل في التفاهات وقلّة الحياء. ولماذا لا يستعملونها لتسويق بضاعتهم ليريحونا من هذه الميكروفونات التي لا تتوقّف للحظة؟! ولمكبّرات الصوت عندنا وظائف معروفة وكلها طبعًا ضروريّة:
1) إذا ضاع ولد أو انقلب رأسه ولم يعد إلى بيته هدرت المايكروفونات بصوتها وصداها في كلّ البلد.
2) إذا نوى المجلس قطع المياه لساعتين شغّلوا الميكروفونات.
3) إذا قرّرت لجنة أولياء الطلاب تعطيل الدراسة في مدارس البلد لسبب أو لآخر.
4) إذا قرّر أحدهم أن يزوّج ابنه طاف المايكروفون في كلّ الحارات والشوارع ليعلمنا بالأمر ترافقه بطبيعة الحال لقطات موسيقيّة ومقاطع من سهرات السحجة بين النداء والنداء.
5) إذا قرّرت شركة الكهرباء قطع التيار الكهربائي لبضع ساعات.
6) إذا قرّرت لجنة الحجّ والعمرة أن تعلم الحجّاج والمعتمرين بضرورة التجمّع عند ساحة الجامع الغربيّ.
7) إذا قرّر أحدهم أن يحطّم الأسعار فيخترق طبلات آذاننا بالمايكروفون.
8) إذا نادى أحدهم على السمك العكّاوي أو الهريسة النصراويّة أو البندورة البلديّة. 
9) إذا أقام أحدهم التعاليل والأفراح وسهر الليالي الملاح استعمل مكبّرات عديدة حتى يسمع القاصي والداني.
10)  إذا جاء رمضان والعيدان الصغير والكبير صدحت الموسيقى من المايكروفونات المحمولة على تراكتور عموميّ زُيّن لهذا الغرض يجمع الأطفال، مقابل خمسة شواقل عن كلّ طفل، ويقوم بجولة سياحيّة في معالم البلد.
على كلّ حال، أعلن براءتي التامّة والنهائيّة غير القابلة للطعن أو الاستئناف أمام أيّ جهة قضائية أو اجتماعية محلية أو عالمية، ومقاطعة محكمة ذات اتجاهين في كلّ مناسبات الفرح والكره. لا أجامله في شيء ولا أريده أن يجاملني بدون خجل أو إحراج أو عتاب كلّ من حمل مايكروفونًا لغرض من تلك الأغراض السابقة أو لأيّ غرض آخر نسيته أو قد يُستحدث في المستقبل القريب أو البعيد.


قد يهمّكم أيضا..
featured

أغمضَ الفلُّ عينيه

featured

حرب تقتل الشعوب وحقوقها

featured

المكاك البربريّ والقيادة الإسرائيليّة

featured

ثرواتنا القومية

featured

الجيش على مقعد مرسي

featured

مدرستنا مقرّ للعلا

featured

الرفض الإسرائيلي في المصيدة

featured

"الديبلوماسية العامة" الأميركية والإسلام السياسي