آليات حربية اسرائيلية تحاصر المقاطعة (ايلول 2002)
ما فعلته وبيّنته فضائية الجزيرة القَطرية، من تقرير موثق، يحتوي على معلومات وأدلة وبراهين واستنتاجات، حول الظروف الغامضة لاستشهاد الرئيس الرمز ياسر عرفات سنة 2004، يلقى الاهتمام الشعبي والرسمي، ويكاد يحرك الشارع العربي من المحيط إلى الخليج. إذ يستحوذ هذا الخبر على اهتمامات فئات وشرائح وقطاعات واسعة فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا لمعرفة الحقيقة. فقوى التحرر الوطني والقوى الثورية والديمقراطية المعادية للاستعمار والامبريالية والصهيونية في العالم اجمع، كانت تلتقي وترتبط مصالحها الكفاحية والتحررية سياسيًا وفكريًا وعسكريًا بالقائد الرمز ياسر عرفات وحركة التحرر الفلسطيني الذي كان يقف على رأس كفاحها وأحد مؤسسيها الأوائل. لذلك فان الكشف وبث التقرير المذكور، هو بحد ذاته أمر جيد، وفي غاية من المسؤولية والأمانة الصحفية والمهنية ومرحب به، خاصة ان الشكوك في محلها خلال كل السنوات الماضية حيث كانت تراود تيارات فلسطينية وجماهير شعبية، بان الرئيس عرفات لم يمت موتًا طبيعيًا. بل استهدف من قبل أوساط وأجهزة أمنية سواء إسرائيلية أو غربية بدعم ومشاركة وموافقة عربية رخيصة جدًا.
السؤال المطروح، كيف يمكن لهذا الكشف أو السبق الصحفي مع كل أهميته، أن ينسجم مع موقف وسياسة المحطة القطرية، وبث أخبارها وتقاريرها المصورة والمحرضة، وأحيانًا كثيرة المشوهة والمغلوطة والمفبركة، في نقل الأحداث المتصارعة التي تجري في سوريا اليوم. دعونا نقارن بين الكشف والسكوت والكشف عن ظروف استشهاد عرفات، وبين الغموض والتحريض إلى حد المشاركة ضمن الحملة الإعلامية والتغطية المغلوطة والمقصودة، في حرف الأمور عن نصابها. وفي إظهار النظام السوري على انه يفتقر إلى روح الإنسانية وجزار وهمجي إلى ابعد الحدود في ذبحه للشعب السوري، وعلى ان النظام يرتكب المجازر الجماعية بحق الأطفال والنساء والشيوخ العزل من السلاح، لا لسبب الا لكونهم طالبوا بحقوقهم وحقهم بالتظاهر السلمي. بالمقابل لم نسمع ولو كلمة واحدة عن حجم المؤامرة التي تتعرض لها سوريا اليوم، شعبًا وحكومة، دولة ومواقف كحصن منيع أمام مخططات الامبريالية والصهيونية ومجروراتها العربيات في الشرق الأوسط.
- توفي شامخًا!
لماذا لغاية الآن، لم تكشف قناة الجزيرة الحَمَدية القطرية الخليجية، عن حجم التدخل الخارجي المباشر من قبل الولايات المتحدة وتركيا والسعودية والأردن وإسرائيل وفريق 14 آذار في لبنان والغرب عمومًا، ودور المخابرات الأمريكية المباشر بالتعاون مع الدولة الجارة الشمالية التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى عدوة للشعب السوري وهي تركيا اردوغان/اوغلو. ان مصلحة تركيا والشعب التركي هي مع الشعوب العربية والقوى الثورية الأخرى وفي مقدمتهم الشعب السوري، ضد مخططات البيت الأبيض وأعداء الإنسانية. لقد أصبح المواطن العادي العربي والفلسطيني، بل حتى الأطفال يعرفون ويدركون حجم المؤامرة التي تعرض لها القائد ياسر عرفات لثنيه عن مواقفه الرافضة للخنوع والاملاءات الأمريكية والإسرائيلية، وقد اختار النضال والوقوف شامخًا، وليس الانحناء أو التفريط بالحق الفلسطيني مهما كان. لذلك حوصر داخل رام الله وفي المقاطعة بالذات وقد تعرض للمؤامرة والاستشهاد في ظروف غامضة بدأت خيوطها تنكشف الآن. فإذا كانت قناة الجزيرة هي السباقة في الكشف عن الملابسات أو المؤامرة والخيوط في مقتل عرفات، فلماذا هي نفسها الجزيرة لم تتوصل إلى الكشف عن حجم الخيوط والمؤامرة لاستهداف سوريا أرضًا وشعبًا وقيادة.
ان من يعرف ولا يكشف عن حجم المؤامرة سواء استشهاد عرفات أو ما تتعرض له سوريا شعبًا ووطنًا وقيادة، وبمظلة دولية وبأيد عربية وأمريكية صهيونية، يكون هو نفسه مشاركًا في المؤامرة ويأتمر بأوامر عليا قطرية سعودية خليجية برعاية أمريكية. لقد تأكد العالم اجمع وكل القوى الديمقراطية والوطنية الحريصة جدا على مصالح واهتمامات الشعب السوري، ان ما تتعرض له سوريا هو اكبر بكثير من حجم وقدرات سوريا شعبًا وقيادة.
ولذا أدركت روسيا منذ اليوم الأول للأحداث حجم المؤامرة الدولية التي تستهدف تفتيت سوريا وطنًا وأرضًا وشعبًا إلى كانتونات طائفية مذهبية تتصارع فيما بينها واستحضار قيادة خنوعة تأتمر بأوامر البيت الأبيض وتل أبيب، على شاكلة ما يجري في العراق الرافدين، الا تعرف قناة الجزيرة عن الهوية السياسية والفكرية والمالية لما يسمى "الجيش السوري الحر"، وطرق تمويله وتدريبه وتسليحه التي تشرف عليها كل من السعودية وقطر بإشراف الأتراك والأمريكيين وأجهزة مخابراتهم. الم تتحمل السعودية وقطر وبعض دول الخليج ومشايخ النفط والإجرام والتسليح، دفع معاشات ورواتب أفراد وقطعان وعصابات الإجرام التي تهتك وتقتل بلا رحمة الأبرياء من الشعب السوري.
كيف يمكن للجزيرة والقائمين عليها، وهي صاحبة الفصل والقول في عالم الإعلام المرئي عبر البحار والمحيطات، ان لا تعرف عن كيفية إنشاء هذا الجيش ولأية أهداف وهو مكون من بقايا وشرائح من هنا وهناك من العصابات وقطاع الطرق، من مجموعات إرهابية متطرفة دينيًا تحارب باسم الدين والوطن أصولية الفكر والتربية، زرعت فيهم المخابرات الأمريكية روح الدم والقتل والانتقام بهدف محاربة الفكر الوطني والثوري من جسم الحركات المعادية لروح العصر، والتي تحاول العودة بالوطن العربي إلى أيام الفتوحات العربية والإسلامية والانغلاق وعدم رواية الواقع والتطور ومواجهة المخاطر وطبيعة الصراع في عالمنا الرحب.
- سياسة تضعها المخابرات
لقد اهتزت قناعات الكثير من قطاعات الناس وجماهير الشعب عامة ممن يشاهدون إخبارية الجزيرة وبرامجها وخاصة من الأخبار والتقارير المفضوحة، في النقل والتعامل مع مناطق الأحداث في العالم العربي. بهدف إثارة القلاقل والفوضى وزعزعة الأمور وإثارة الأحداث باسم الحرية والديمقراطية وحقوق المواطن والإنسان عامة، هذه السياسة تضعها المخابرات الأمريكية والصهيونية بمشاركة عربية سعودية قطرية وغيرها، وتنفذها أيد عربية والجزيرة بازدواجيتها تنفذ هذه السياسة إلى حد المشاركة في المؤامرة، تحت ستار الإعلام وتغطية الأحداث، ونقل الخبر اليقين والصحيح والرأي والرأي الآخر، بينما في الخفاء ووراء الكواليس، تسهم الإخبارية القطرية في تأليب وإثارة جو من العنف والتحريض تكون فيه قد غذته وزودته بكلمات الديمقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان وغيرها. لذا أصبح المواطن وشرائح وطنية واعية في أحزاب وحركات، تعي جيدًا مثل هذه السياسة الثعلبية التي تسهم فيها إسهامًا مباشرًا هذه القناة الحمدية القطرية. لذلك حاولت وتحاول الجزيرة اليوم ان تغير قوانين اللعبة عبر استعادة مواقعها الإعلامية وثقة المواطن العربي والفلسطيني خاصة في ظل التنافس الشديد على من يتربع على عرش الإعلام من بين العديد من الفضائيات العربية المدعومة خليجيًا وبتروليًا وأمريكيًا، لكنها تصب في محطة المصالح الإعلامية الطبقية الأمريكية في السيطرة على العالم.
من هنا جاء الخبر الأولي في الكشف عن ملابسات استشهاد القائد الرمز ياسر عرفات، مما يحمله من اهتمامات شعبية وقيادية لشعب أحب قائده والذي ضحى بحياته من اجله واجل فلسطين والقدس وإقامة الدولة الفلسطينية. ان من حق كل إنسان أو وسيلة إعلام شعبية أو رسمية ان تستعيد جماهيريتها وشعبيتها بين مشاهديها، لكن استعادة مثل هذه الثقة الجماهيرية، يجب ان تكون مبنية على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه عبر المواقف الوطنية واحترام إرادة الشعب والجماهير والدفاع عنها ضد أي مؤامرة يتعرض لها المواطن والوطن، ونقصد المؤامرات الخارجية وهي كثيرة على عالمنا العربي وشعوبه.
إن مكانة أي قناة إخبارية توجب الالتزام بالمحافظة على النسيج الوطني والاجتماعي للشعب وعلى الوحدة الوطنية، وليس اللعب على وتر الطائفية والمذهبية وتأجيج النعرات بين أبناء الشعب الواحد. ان دور الإعلان الوطني الهادف والصادق هو الذي يدعو إلى الحوار والتفاهم بين مختلف الفرقاء المتواجدين تحت سقف الإجماع والوحدة الوطنية، ان الإنسان / المواطن والوطن الأرض وعلم الدولة كلها خطوط حمراء لا يجوز المس بها واللعب عليها ومن خلالها، لأنها أمور تشكل وحدة الشعب بكل شرائحه وأطيافه السياسية الطبقية.
إننا ننظر بعين ثاقبة وعقل مفتوح إلى ما كشفته الجزيرة حول استشهاد الرئيس ياسر عرفات، وندعو إخبارية الجزيرة إلى توخي الدقة والمثابرة العادلة في تحمل المسؤولية، وعدم التهويل والتشكيك الزائد والإثارة الرخيصة بين صفوف الشعب. وإذا كنا نحن هنا من مواقعنا وتجربتنا الكفاحية الممتدة إلى أكثر بكثير من نصف قرن، من الذين يعرفون حق المعرفة طبيعة حكام إسرائيل والصهيونية، ولنا معهم تاريخ طويل، بان اغتيال القائد الشهيد ياسر عرفات، لم يكن الأول والأخير في لوائح الاستهداف الأمريكي والإسرائيلي والعربي القذر للإجهاض والاجهاز على الحق الفلسطيني.
صحيح ان أبا عمار لم يكن مجرّد رقم في سجل الاغتيال والاستهداف السياسي والعسكري للدوائر الاستعمارية والصهيونية، بل كان الرقم الأصعب والصلب الذي تحطمت عليه كل أنصاف وأرباع الحلول غير العادلة والتي رفضها الشعب الفلسطيني من خلال قيادته الحكيمة والراعية والمجربة وعلى رأسها القائد الرمز ياسر عرفات.
- أقوى من الجلاّد
على الشارع والقيادات الفلسطينية التحرك بسرعة وبفاعلية على المسارات الخارجية الدولية للمطالبة بلجنة تحقيق حيادية وعادلة لكشف ملابسات عملية الاستشهاد غير الطبيعية وغير المتكافئة، لان الاغتيال هو اغتيال رمز من الرموز التاريخية على امتداد قرن من الزمن لمسيرة الشعب الفلسطيني التحررية وهو الأب الروحي لحركة الكفاح الفلسطيني، وقائد من قادة حركة التحرر الثورية الوطنية العالمية.
كيف سيتعامل العالم العربي مع العالم الغربي والولايات المتحدة وإسرائيل مع نتائج التحقيق. ان مئات وآلاف حالات الاغتيال لشخصيات سياسية عالمية، كانت تحظى بمكانة مرموقة في مجمل النضال والكفاح العام للشعوب، تعرض للتصفية والاغتيال الجسدي على يد مجموعات وأجهزة مخابرات الدول الامبريالية العالمية والأمريكية في المقدمة. لا لسبب سوى للدور الكفاحي الذي لعبته هذه الشخصيات في الكفاح العادل المشروع لإفشال المخططات الإجرامية للولايات المتحدة وإسرائيل. ان شخصية القائد ياسر عرفات الذي الهم بكفاحه الطويل وأصبح الأسطورة التحررية من حصار بيروت إلى حصار رام الله، قد كون ملحمة كفاحية خالدة لمجموع الوطنيين والثوريين ليس لدى الشعب الفلسطيني ومناضليه وانما لدى أحرار العالم اجمع.
ليس من المستغرب ان يتعرض الرمز ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية بكل أطيافها السياسية إلى عملية تصفية جسدية واستهداف صهيوني أمريكي عربي متواطئ. لقد سبق أبا عمار في طريق الاغتيال على يد حكام إسرائيل الكثيرون من القيادات الفلسطينية أمثال خليل الوزير وغسان كنفاني وكمال عدوان وحتى عبد الناصر. فأبو عمار كان على علم بأمور وخبايا أعداء فلسطين. لكن إرادة الشعوب والشعب الفلسطيني أقوى من الجلاد. ولتكن دماء ياسر عرفات عربونًا آخر يضاف إلى دماء شهداء الشعب الفلسطيني في استرداد حقوقه المسلوبة.
نعم للمطالبة الشعبية والرسمية بلجنة تحقيق دولية، وتقديم الجناة والفاعلين إلى محكمة دولية.
(كويكات/أبو سنان)
