ولا يرفع جباهَنا شامخةً غيرُ جبهتِنا..

single

كانت خسارتي كبيرة، لا تُغتفر ولا تقبلها أيَّة كفَّارة، بعد أن غبتُ غيابًا قسريًّا، عن المهرجان الجماهيريِّ الافتتاحيِّ، لمعركة الانتخابات البرلمانيَّة المصيريَّة والوجوديَّة، التي ستشهدُها بلادنا في كانون الثَّاني من العام المقبل، حيث لم استطع مشاهدة ذلك العرس الشَّعبيّ الضَّخم، كما نقله لي رفاقي وما شاهدْتُه من صور بُثَّت على جميع المواقع الإخباريَّة الالكترونيَّة والتِّلفزيونيَّة، ونُشِرت كذلك في الصُّحُف، والذي عُقِد في مدينة شفاعمرو، يوم الجمعة المنصرم. تلك المدينة التي ما زالت تحتضن بعزَّة وفخار وإباء قلعة الرَّجل، مخضرم القرنين السَّابع والثَّامن عشر الميلاديِّ، ظاهر العُمر الزَّيدانيِّّ، "الذي حلم في تلك الأيَّام: تحرير الأرض وانتزاع الاستقلال واقامة الدَّولة العربيَّة في فلسطين، متحدِّيًا بذلك حكم أكبر دولة في العالم آنذاك (الدَّولة العُثمانيَّة) وسطوتها المنبسطة على ثلاث قارَّات: أوروبا، آسيا وافريقيا" (قناديل ملك الجليل، إبراهيم نصر الله ص 7) وكان له ما أراد.
فكما أنَّ هذه الشَّخصية التَّاريخيَّة وضعت بصماتها على مدن كثيرة من مدن فلسطين، حيفا والنَّاصرة وعكا وصفد وطبريَّا..، ونصبت فيها قلاعًا تحمي أهل البلاد من غزوات قطَّاع الطُّرق وجيوش الباب العالي وسلطة الجباة الظَّالمين، من جباية الميري المجحفة بحقِّ الفلاحين والتُّجَّار وصنعت لهم مجدًا عريقًا وشجاعة لا مثيل لها في تلك الحقبة، فإنَّ حزبنا الشُّيوعي بنى جبهته الواسعة والعريضة، جبهة توحِّد جميع فئات الشَّعب تحت لواء الدَّفاع عن الأرض والعرض والهويَّة، درعًا واقيًا، وشيَّد قلعة صامدة من صُوَّان وملح الأرض، متراصَّة البنيان، ليحمي فيها شعبنا العربيَّ الفلسطينيَّ، ما استطاع، من النُّزوح والتَّشرد والتَّشرذم والضياع وصان حرفنا وكتابنا وأرضنا ومُقدَّساتنا وما زال يرفع راية الصُّمود على هذه الأرض في خيار ليس له ثالث، إمَّا أن نعيشَ على هذه الأرض أو نُدفنَ فيها، والتَّصدِّي لكلِّ مؤامرة على هذا الشَّعب، إن كانت من ذوي القُربى أو من الدُّخلاء الجدد..
كيف يمكن ان تخرج أصواتٌ من جماهيرنا التي ذاقت الأمرَّين، من تهجير وتشريد، مصادرة أراض واضطهاد قومي، تهويد الوطن وجعله أُحاديَّ القوميَّة، وتقسيم العائلة الواحدة ما بين اللجوء عبر الحدود أو داخله، تُنادي جهارًا، بالتَّصويت لأحزاب صهيونيَّة أو دينيَّة كشاس، كيف يُمكن لهؤلاء أن يبيعوا قضايا شعبهم مقابل ثلاثين من الفضَّة ويسلِّموا بكَبحِه وجلْدِه وتعذيبِه وصلبِِه، كيف يُمكنهم أن يكونوا أحفاد أبي لؤلؤة وابن ملجم ويتركون الأصالة والخطَّ القويم..
كيف نسمح لأولئك الذين أتوا إلى وطنٍ فيه شعب وتاريخ وحضارة، أن يقاسموه هذه البلاد أو يخطِّطوا ويتحايلوا عليه، كيف يطردونه منه، إلى ما وراء الحدود، وهذا آتٍ إن تهاونَّا في هذه المعركة، لأنَّ فرعون يتفرعن عندما لا يجد من يرُدّه، ويكيل له الصَّاع صاعين، لهذا علينا أن نتجنَّد بكلِّ طاقاتنا ونُفعِّلَ جميع كوادرنا ونُجنِّد كلَّ عربيٍّ شريفٍ وأبيٍّ لهذه المعركة بحيث نضع نُصب عينيه المؤامرة وأبعادها وتداعياتها، حتَّى يعي الخطر الذي يدهم بيوتنا ويذهب إلى صندوق الاقتراع ويُدلي بصوته عاليًا واو، وهكذا نكون قد جنَّبناه كبائر الذُّنوب والمعاصي..
ولا تسمو جبهَتي بغيرِ جبهَتي                    ولا يرفعُ جباهَنا شامخةً غيرُ جبهتِنا..

قد يهمّكم أيضا..
featured

مشروعان مختلفان

featured

المستفيد من مهاجمة فيلم "عمر" هي المخابرات

featured

لم يأكلني الذئب في حيفا

featured

الديموقراطية بالحرب الأهلية في العراق: بين «استئصال البعث» والطائفية بالدولار الأميركي

featured

هدية النصر لك يا ام الفحم واغبارية

featured

مخيماتنا.. درب العطاء

featured

بقاء العرب اليوم، صراع وجودي؟

featured

سنوات الظلام والنور