كانت قريتنا، عرابة، اكبر القرى الفلسطينية قبل النكبة، فقد بلغ عدد سكانها 4500 نسمة، وانتشرت بيوتها على مئة دونم، فوق رابية من روابي البطوف الجنوبية الغربية، مناخها لطيف صيفًا مع انها لا ترتفع اكثر من 250 مترًا عن سطح البحر. كروم الزيتون وكذلك الاشجار البرية في الاراضي المشاع الواسعة، امتدت بعيدًا بعيدًا فأضفت على المنطقة جمالا وسحرًا. كما انها احدى القرى القليلة التي كانت فيها سلطة محلية ترعى شؤون السكان.
الى الشمال منها يمتد الطرف الغربي لبطوف الخصب والانتماء ونصيبها فيه عشرة آلاف دونم اغتصبتها برك اشكول، اكبر خزانات مشروع المياه القطري لإرواء النقب!! عمل اهلها مزارعين في اراضيهم الواسعة، ومساحتها اكثر من 50 الف دونم، صادرتها حكومة اسرائيل الاولى لتقيم عليها فيما بعد ست مستوطنات.
كثرة ينابيع المياه فيها اروت بساتين الخضروات الواسعة من حولها، اما الاراضي البعيدة فزرعوها بالحبوب على اختلاف انواعها كما زرعوا البطيخ والشمام الافضل والأحلى في فلسطين. في حارة من حاراتها الخمس.. سلام عليك ابا السعود وأنت القائل:
عرج ع صفورية وزور الخمس حارات فيها مساجد بقت بالذكر عمرانه
فيها افاضل تعقد راية الصلحات من يوم هجرهم شعري شاب والظهر حاني
كانت مضافة ابو محمود تتصدر الساحة الصغيرة في تلك الحارة، يقصدها الرجال كل يوم وفيها يتحدثون عن الامور الزراعية والقضايا الاجتماعية. ابو محمود رجل مضياف يستقبل زواره بكلمات الترحيب الجميلة، كما ان اباريقه كانت عامرة دومًا بالقهوة السادة وباب المضافة لا يغلق إلا في ساعات الليل بعد ان يخيم السكون على البلدة الوادعة.
بالإضافة الى ذلك كان ابو محمود مرجعًا للفلاحين، خبيرًا بمواقع الاراضي وأحوال الطقس ومواعيد الزرع. كثيرًا ما اوصى الفلاحين "ازرعوا على الهلة حتى تضمنوا الغلة" وهلة التي يقصدها هي الايام الخمسة الاولى من الشهر القمري وكثيرًا ما حثهم "في عيد لدالاما شد يشد" وأيضًا "كل بدري من الزرع فالح".
عندما تخطى السبعين من عمره اصيب بشلل نصفي فأقعده، حتى انه عجز بالتالي عن تحضير القهوة السادة. عندها تراجع رواد المضافة حى اصبحت الحارة بلا نادٍ وبلا عنوان، خلال زيارات الجار ابو علي له كثيرًا ما تألم لحاله ورثى لوضع الحارة "مش لايقة الحارة بلا مضافة".
اذا عزمت ولا بد قال ابو محمود، فهذه الاباريق هدية مني لك. وتحركت مواكب الايام في مشوار الزمن وانتقل ابو محمود الى جوار ربه وإذا بالابن يطالب بالأباريق، فهم ملك والده وهو احق بهم.
لن اعيدهم لك، أنا وإياك عند الشرع قال ابو علي. سمع الشيخ ابو محمد ادعاء كل طرف فكر طويلا ثم رفع رأسه وقال، عالجت العديد من القضايا وأصلحت بين الناس لكن مثل هذا الموضوع لم يعرض أمامي، لذا لا استطيع البت فيه، اذهبا الى عرابة واقصدا ديوان الشيخ سعيد المصطفى قاضي الشرع المعروف، وهو وحده القادر على اصدار قرار عادل ومقبول.
في عرابة تحدث محمود فقال، شيخنا القاضي ما رأيك في رجل استعار اباريق القهوة السادة من والدي ويرفض اليوم اعادتهم لي، خاصة وان ابي رحل من الدنيا. وأضاف تلك الاباريق لوالدي وأنا وريثه لاني ابنه الوحيد.
والدك كان عنده مضافة. نعم يا شيخ. والدك كان مضيافا وكريما؟ نعم ومضافته كانت دائمًا عامرة بالزوار والضيوف والقهوة ما يوم جفت في اباريقه.
وتحدث الجار ابو علي فقال: اعطاني والده الاباريق كرما وجودا، عندما اصيب بالشلل وعجز عن تحضير القهوة، فتحت مضافة لأنه عيب يا شيخنا ان تبقى الحارة بلا مضافة وعيب على ابنه ان يتنكر لعطاء والده.
جارك ابو محمود كان كريما؟ سأل القاضي. نعم فهو من اجاويد الله وكل ضيف يحل عليه يقدم له الواجب كاملا.
لا استطيع ان اقضي بالأمر حتى تعودا مع شاهدين يسندا اقوالكما. بعد اسبوع حضر الرجال الاربعة وفي ديوان الشيخ عقد مجلس القضية. تقدم الجار ابو علي واقسم ان جاره المرحوم ابو محمود اعطاه الاباريق هدية كرما وجودا، فأخذتهم وفتحت مضافة.
لماذا لم يعطهم لولده؟ لقد عرضهم عليه لكنه رفض بسب انشغاله الكثير خاصة وانه وحيد.
وشهد الرجل الاول، ان ابا محمود كان كريم النفس يجود بالكثير مما عنده ويقدم الواجب لضيوفه، الغداء والعشاء وكثيرًا ما اثنى عليه الضيوف حتى صار صاحب سمعة طيبة وسيرة حسنة.
اما الرجل الثاني فتحدث عن مواقف لأبي محمود كان فيها صاحب كرم وفارس جود، كما انه يا شيخ كان صاحب هرجة أي متحدثا لبقا. وإذا ما تحدث اصغى له كل من حضر في مضافته ودائما اعجب الضيوف بكرمه وحديثه
عندها التفت الشيخ سعيد المصطفى الى محمود الابن وقال: بما ان والدك كان كريمًا ومضيافًا، صاحب نخوة ومروءة، كما ذكر الشاهد الاول وما اضافه الثاني، فلا يحق لك استرجاع اباريق القهوة، لأن القاعدة الشرعية تقول "عطاء الكريم لا يرد ولا يسترد".
بارك للرجل عطاء والدك الكريم وبهذا تكرمه في مماته. رضي الشاب بقرار القاضي وعادوا جميعًا الى بلدهم راضين مرتاحين.
(عرابة)
